تأخير إعلان الحكومة العراقية.. لمصلحة الإرهابيين
تأخر الإعلان عن الانتهاء من تشكيل الوزارة في العراق بسبب المساومات بين الكتل السياسية أطفأ شعلة الأمل والتفاؤل التي اتقدت بعد الانتخابات للمجلس الوطني، وأدى الى زيادة الإحباط والتشاؤم من إمكان عبور عنق الزجاجة الى الأمن والاستقرار·
ولم تبق إلا أيام معدودة من المدة المحددة لرئيس الوزراء لتشكيل فريقه والأمل يكاد يتلاشى بإمكان الإعلان عن الوزارة المنتظرة·
كل ذلك يجري بسبب المساومات بين الكتل السياسية حول الحصص والأنصبة وتقاسم مكاسب الحقائب الوزارية، بينما تتعاظم معاناة الشعب العراقي وسط تصاعد عمليات العنف البغيض، وفقدان الأمن والاستقرار والتخريب الاقتصادي وارتفاع البطالة، وصعوبة تحرك الناس خارج منازلهم وامتلاء الشوارع بطفح المجاري الصحية·
محل التفاؤل والأمل ساد الإحباط واليأس من إمكان تجاوز ظلام البؤس والمعاناة اللذين يواجههما الشعب العراقي·
إن خروج أغلبية المواطنين لممارسة حقوقهم الانتخابية متحدين تهديد عصابات الزرقاوي وفلول صدام أنعش الآمال بأن العراق يقترب من نقطة الانطلاق نحو النهوض وبناء الحياة الجديدة وآفاق تشييد المجتمع الديمقراطي، وبأنه سيكون نموذجا يحتذى في المنطقة وبؤرة إشعاع نحو التحول الديمقراطي، خاصة أن العراق بما يملكه من موارد اقتصادية وقدرات بشرية يعد بتحقيق التنمية والازدهار الاقتصادي الذي تفتقده المنطقة، كل هذه الآمال تبعثرت وتلاشى ضياء النجاح النسبي لعملية الانتخابات، وانطفأ وهج الأمل بتجاوز الصراع الطائفي الذي عاد شبحه يهدد المجتمع بمزيد من التمزق·
إن مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في العراق تتحملها الكتل السياسية المتصارعة، والنصيب الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق التكتلين الكبيرين الائتلاف الشيعي، والتكتل الكردي· فبعد أن حصل كل منهما على المناصب الأولى: رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزارة، كان ينبغي أن يتحليا بقدر من الحرص وهامش من المرونة إذا كانت رغبتهما في المحافظة على التضامن الأوسع بإشراك الكتل الأخرى وممثلي الطائفة السنية التي لم تشارك في الانتخابات، لا أن يتمسكا بالاستحواذ على العدد الأكبر من الوزارات والنزاع على تقاسم الحقائب·
الحكمة والمنطق يفترضان أن من يطالب بالمحاصصة هي الأقلية لا الأكثرية التي استحوذت على ما يقارب من ثلثي مقاعد المجلس الوطني· إن تمسك الائتلاف الشيعي بالحصول على 17 وزارة، والتكتل الكردي بالحصول على 8 وزارات لن يبقي إلا ست وزارات للفئات الأخرى بمن فيهم السنة وجماعة الوفاق (أياد علاوي) لا تمنح فرصة معقولة للاتفاق·
المؤسف أيضا أنه بينما يجري الصراع والمساومة يزداد انتشار الفساد واستغلال النفوذ على حساب مصالح الشعب وكأن المصاعب الأخرى غير كافية·
المساومات أضاعت ثلاثة أشهر ثمينة ولم يبق من المدة المحددة لإنجاز وضع الدستور إلا ثمانية أشهر، يفترض أن تدشن التحول نحو الاستقرار وعودة الحياة الطبيعية والاستعداد في نهايتها لانتخابات شاملة تشارك فيها كافة الطوائف والأعراق ليشهد العراق ميلاد مرحلة جديدة ويتوجه العراقيون لبناء نظام قادر على توظيف الإمكانات الهائلة لصالحهم جميعا·
وهذا ما يوجب على الكتل المتصارعة قليلا من التفاني والتضحية وشيئا من المرونة لإنقاذ العراق، قبل أن تتردى الأوضاع الى الدرجة التي لا ينفع معها العلاج وعندها لن ينفع الندم·
* * *
الجريمة مرآة المرض
لا يزال الناس عاجزين عن فهم كنه النفس المجرمة التي تمثلت في قتل أب لأبنائه بالسم، وتهشيم شاب لرأس أمه وقتلها، وقبل ذلك قيام أب بقتل ابنته نحراً بالسكين، وقبلها جرائم اغتصاب وقتل الأطفال، واغتصاب الطالبة ومن قبلها السيدة الحامل، ثم الشروع في اغتصاب الطبيبة في مستشفى الفروانية ناهيك عن حالات الانتحار والسرقات وحوادث المرور المروعة· العدد الذي لا يحصى من الحالات الأخرى التي تشير إلى خلل كبير في المجتمع الكويتي لابد من دراسته من جميع نواحيه ليس الأمنية فقط، فهي لن تجدي لوحدها لأنها عادة ما تتعامل مع الحالة بعد استفحالها، فالأمر بحاجة إلى الانتباه إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وحالة الإحباط العامة التي تعم مجتمع الصغار قبل الكبار·
إن المتابع لهذه الجرائم لابد وأن يلفت انتباهه ليس فقط كثافتها، بل بشاعتها وغرابة الأسباب المستخدمة لتفسيرها، الأمر الذي يخفي أسباباً أعمق، فارتفاع معدلات الجرائم يعد من أكثر المؤشرات الاجتماعية الدالة على التفكك الاجتماعي الذي يتسع دماره ليصل إلى أبعد من هذه الجرائم على بشاعتها·
إننا مطالبون بمتابعة ودراسة كل العوامل التي من الممكن أن تدفع بالمجتمع إلى هذه الحالة السيئة من التفكك، كالظلم وانحراف ميزان العدالة وشعور الناس بضياع حقوقهم وشعورهم بعدم قدرة مؤسسات المجتمع على إنصافهم، إن كان خصومهم متنفذين يضاف إلى ذلك مشاعر الإحباط الشديدة التي تعكسها الحالة العامة في البلد الذي ما إن يخرج من أزمة حتى يدخل في أخرى نتيجة ضياع البوصلة والأولويات· كما يجدر بنا الالتفات إلى بعض الظواهر التي تنذر بالمزيد من الاضطرابات الاجتماعية مثل بطالة الخريجين بنوعيها البطالة السافرة، والمقنعة ناهيك عن ازدياد أرقام العاطلين عاماً بعد آخر نتيجة تشبع مؤسسات الدولة بالموظفين ودخول ما يقارب من 14 ألف شاب وشابة إلى سوق العمل كل عام أغلبهم يحمل تخصصات لا يحتاجها سوق العمل الحكومي أو الخاص، الأمر الذي ينذر بكارثة قادمة لا محالة إن لم نلتفت إلى إصلاح النظام التعليمي والاقتصادي وتشريعات الخدمة المدنية، علاوة على إصلاح الجهاز الحكومي·
الجريمة ليست سوى تعبير مجتمعي عن حالة مرضية أكبر، إن لم ينظر لها بهذه الشمولية ستبقى العلاجات الأمنية أقرب إلى وصف مسكنات الصداع لمصاب السرطان·