الإرهاب.. محاولة للفهم
مارد الإرهاب قام يضرب بجنون، فبعد التركيز المكثف في عملياته العشوائية في العراق، أراد هذا المارد أن يوسع عملياته جغرافيا، فهز العاصمة البريطانية لندن مرتين، وسدد ضربة قاسية الى "شرم الشيخ"، كل هذا في غضون ثلاثة أسابيع مع استمرار عملياته اليومية البشعة على الساحة العراقية·
هل هذا يعني أن الإرهابيين في وضع من القوة بحيث أصبح بإمكانهم أن يوجهوا ضرباتهم الى مواقع كثيرة وجديدة؟ أم أن مظاهر القوة هذه تعبر عن يأس من خلال استخدام آخر ما في الجعبة من ذخيرة؟!
نجزم أن لا أحد يستطيع أن يجيب عن السؤال الكبير الذي سلف بدقة، لكن المؤكد أن أهم ما يحمله الإرهاب الجديد من رصيد ليس السلاح والمتفجرات وغيرها من أحداث، فالأخطر هو العقيدة أو الفكر الذي يؤمن به الشباب المنفذ للعمليات التي يصبغ أغلبها الطابع الانتحاري·
لذلك على الجميع، ونعني بالجميع الجميع، أن يتنبه لخطورة الأمر، فالمواجهة تتطلب أن يكون الحزم والضرب بيد من حديد للإرهاب وأدواته من جهة وتفهم الفكر الذي يستظل الإرهاب بظله من جهة أخرى، خطان متوازيان في المواجهة يعملان في وقت واحد ولا يتغلب اهتمام بأحدهما على الآخر·
* * *
الطائفية.. من يوقدها؟ ولماذا؟!
حذر سمو رئيس الوزراء الشيخ صباح الأحمد من إثارة الفتنة الطائفية، كان ذلك في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف اليومية مطلع هذا الأسبوع، جاء ذلك على إثر تناول صحافي لأطروحات غير موفقة من أشخاص يمثلون التطرف في جانبي المعادلة الطائفية في الكويت حيث يبحث كل طرف عما يمكن أن يشكل خلافا عقائديا بين قراءة الطائفتين لتاريخ صدر الإسلام والحروب التي دارت رحاها بين المسلمين ممن عاصروا الرسول وبناء الدولة الإسلامية·
وجاء تحذير رئيس الوزراء في محله وتوقيته أيضا فمثل هذه الشرارات الصغيرة التي يشعلها جهلاء القوم لا يمكن أن يغفل عنها عقلاء المجتمع بل إنها لا تمثل هماً سوى لدى غلاة الطرفين، فعامة الناس في الكويت عاشوا قرونا من الزمن من دون أن يلتفت أحد منهم لطائفة الآخر أو يعتبرها عنصرا جوهريا في التفريق بين الناس أو التمييز بينهم اللهم إلا في الجوانب الاجتماعية المتعلقة بالزواج والنسب والتي لا تقف عادة عند الاختلاف الطائفي بل تتعداه الى الاختلافات القبلية والأسرية والاقتصادية والعرفية أيضا·
إن أحدا لا يستطيع اليوم أن يعيد التاريخ الإسلامي الى الوراء ويرسمه من جديد خاليا من النزاعات سواء بين الصحابة الذين تحول مؤيدوهم الى جماعات مختلفة ازدادت الهوة بينهم مع مرور الوقت وتراكم الفهم الجزئي للنص الديني والإضافات التي أدخلها كل طرف على الأحاديث النبوية حتى وصل عددها عشرات الآلاف، كل يضيف أو يؤلف ما يدفع برأيه على رأي الآخر، على الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض أن يكتب عنه شيء في أثناء حياته وفعل الشيء ذاته عدد من الخلفاء الراشدين ولم يبدأ تدوين الحديث إلا بعد مئتي عام من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم تقريبا·
خلاصة القول: إن فتح هذه الموضوعات الآن وكأن نقاشها عبر صفحات الصحف قد يؤدي الى جلاء الحقيقة ليس سوى تأجيج للاختلافات الطائفية لا أكثر، فهي أمور ستبقى ما بقي المسلمون منقسمين الى سنة وشيعة وطوائف أخرى، كما أنها لن تحسم لصالح هذا الطرف أو ذاك وحتى إن جلس أركان الطائفتين وعقلاؤهما يبحثون لسنوات عدة فإنهم لن يغيروا من موقف كل طرف من الآخر، وإن حدث ذلك - من الناحية الافتراضية لا أكثر - فإن المؤمنين من عامة الناس سيبقى كل منهم على قناعته بل وسيزداد حماسة لها·
إن الخوض في الخلافات التاريخية المرتبطة بتطور الدولة الإسلامية وما حدث خلالها من أحداث إنما يدفعنا للقناعة الكاملة بأن حسمها هو أكثر استحالة من المستحيل ذاته، وبالتالي فإن أية محاولة لإظهار خطأ الآخر لن تكون سوى وقود يذكي نار الخلافات الطائفية الى درجة لن تؤدي إلا لمزيد من الشقة والاقتتال - لا سمح الله - ولن يكون في هذا غالب ومغلوب فالجميع مغلوب والضحية الوطن الأكبر، ولعن الله من أوقدها·