| الإبداع هو عنصر من عناصر الحياة·· وصدى تحولاتها الدؤوبة·· الذي يتفجر في عمقها ويحول حركتها في مسارات حركة التاريخ!!
والتنوع الإبداعي هو إفراز تنوع الحياة يتفاعل في عمقها ويسبق حركة تفاعلها ويتعقب هاجسها ويمهد طريق تبلور معالمها·
والإبداع الحقيقي يحمل صفة جموحه متفجرة متأججة لا تركن الى التقليد السائد المعاش·· الإبداع تفاعل متحرك يحمل في داخله عوامل متفجراته الاجتماعية والثقافية·· إنه قراءة مستقبلية لحركة التاريخ واستشراف متوثب·· لاستمرارية متغيرات حركة الكم والكيف في الحياة!!
وإذا كان هناك مبدعون مثل تولستوي وغوركي ومايكوفسكي تجاوزوا حركة حياة واقعهم واستشرفوا من واقع سائدهم الاجتماعي المعاش مستقبل التحولات العظيمة التي تفجرت في عمق التاريخ وغيرت مساراته التقليدية·· فإن مبدعين مثل بولفاكوف وباسترناك وسولجتين وغيرهم استشرفوا من واقعهم (···) الانتكاسات المدوية والانهيارات العظيمة التي هزت السكون وأذهلت البشرية بعمق دويها!!
إن التفاوت في قراءة تنوعات المبدع تجاه تفاوت تنوع الحياة·· يشكل صفة ملازمة للمبدع في تأملاته لحركة الكون··"تأملاته وليست سلوكياته" الإبداع متغير جدلي·· أما السلوك فهو أيضا متغير ولكنه متغير ميكانيكي وليس جدليا·· ومن هنا يتشكل وميض الكونية الإنسانية في حقيقة المبدع ووميض خصوصية موهبته!!
الإبداع لا ينفجر منهمرا إلا في خصوصيات ولحظات حياتية معينة لدى المبدع·· أما سلوكيات المبدع·· فهي حركته الطبيعية الدؤوبة في الحياة شأنها شأن حركة وسلوكيات أي كائن بشري!!
الإبداع يتجاوز ذاتية المبدع ويطهر شيئا من أدران العلائق الطبقية والذاتية والقبلية والطائفية والعشائرية ويدفع بها الى آفاق إنسانية لا حدود لها من حيث إن المبدع الحقيقي يحمل جينات عالميته·· أما السلوك فهو في كثير من الأحيان رهن الذاتية والأنانية والعرف وذاكرة القبيلة!!
الإبداع لا يمكن أن يكون حركة ثابتة الاستمرارية لحركة المبدع وسلوكياته·· فسلوكيات المبدع تلتئم وتندمج مع إبداعاته فقط في لحظة حالات خصوصيات تفجراتها الإبداعية·· وما عداها، فإن فرضية ضرورة وحتمية مثل هذا الاندماج فرضية لا مكان لمصداقيتها في حياة أي مبدع· من هنا يمكن القول إن فرضية اندماج سلوك المبدع مع إبداعه فرضية لا تجد لها أرضية ثابتة في واقع الحياة بشكل عام!!
المبدعون كثيرون أولئك الذين فجروا إبداعاتهم العظيمة في الأرض طرا·· وخلدها لهم التاريخ بأحرف من نار ونور في ضمير الإنسانية·· وكانت سلوكياتهم الحياتية نقيضا فظا لإبداعاتهم الخالدة·· التي لا تزل تتجدد في ضمير الحضارات وعمقها!!
إن شعراء مبدعين مثل المتنبي وأبو العتاهية وأبو نواس وبشار بن برد وخلافهم·· قد دانت لإبداعاتهم الأدبية روائع الشعر وجماليته ورقته وعذوبته·· وكانت سلوكياتهم دون تلك الجمالية والرقة والعذوبة·· وكانت تتفاوت وتتساوف في كثير من علائقها الحياتية والأخلاقية وكانوا يبدعون خلاف ما يسلكون(!!) "ألم تر أنهم في كل واد يهيمون·· وأنهم يقولون ما لا يفعلون" وهو ما ينطبق على كثير من المبدعين والفنانين والأدباء المضرجة قوافيهم وكتاباتهم وعطاءاتهم بوهم وخزي سلوكياتهم!!
وإنه من الصعوبة بمكان·· إذا لم يكن من الاستحالة في الكثير من الأحيان أن يرقى المبدع الى مصاف إبداعاته ويتمثلها في سلوكياته الحياتية إلا فيما ندر·· يقول رئيس تحرير مجلة "الوطن العربي" الأستاذ وليد أبو ظهر العدد 276-802 وتاريخ 17/7/1992 "كاتب يتقلب على بساط المصالح·· يشهر سيفه حيث لا خطر من ذلك·· ويتمسكن عندما يستشعر الخطر·· يدعي البطولة في غير ساحتها·· ولا يعني ذلك أنني أنكر على نزار قباني موقعه على قمة هرم الشعر والنثر فهو من أفضل الشعراء العرب·· إن لم يكن أفضلهم·· وهو من أبلغ الكتاب العرب·· إذا لم يكن أبلغهم· من حق نزار قباني عَلىّ أن أعترف بعبقريته الأدبية·· ومن حقي عليه أن انتقد سلوكياته "الإنسانية" وليس نزار قباني الوحيد من طوابير الشعراء العرب الذين خاضوا أشرس المعارك ولم يحملوا سيفا في حياتهم وتصدوا لأعتى الفرسان ولم يمتطوا صهوة حصان في حياتهم· أن يجنح شيطان الشعر بصاحبة فهذا معلوم·· ولكن أن يجنح بتصرفاته فهذا تجاوز للحدود والأخلاقية" وهي شهادة سسيولوجية - ثقافية واثقة!!
أن تتفقد حركة البعض من المثقفين والمبدعين عندنا·· تنتشي أحيانا وتتنسم رياح الوطن في رياح إبداعاتهم وعطاءاتهم الأدبية والفكرية·· وعندما تتسقط سلوكياتهم تشفك خيبة السلوك ومرارة الانهزام وقبح الموقف تجاه رهط يتصدرون الحركة الثقافية والفكرية·· وهم يضعون قلوبهم في أجنحة من الطيور الموسمية ويتوارون خلف كثبان رمال تبريرات أوهامهم وهزائمهم النفسية والوجدانية والفكرية!!
ولقد أشار مبكرا المفكر المجري (جورج لوكاش) في مقالة له حول "الكاتب والناقد" لمثل هذه النماذج من المثقفين والمبدعين الذين تتصاهر مواقعهم الفكرية والإبداعية والسلوكية أمام سطوة نمو الرأسمالية حيث تزداد ظروف الإغواء وإفساد الفنانين وتلويث توجهاتهم الفكرية والأدبية بآليات الترغيب والترهيب·· وحيث لم تنج إلاّ قلة نادرة نأت بنفسها عن الانغماس في موبقات أثقال الثقافة الاستعمارية التي تبث وسائلها الإعلامية ومفاهيمها الأيديولوجية في عالم ثقافي وفكري تستبد بطوله وعرضه آلية الإعلام الغربي·· والعمل على طمس الحقائق وتقويم الأباطيل وتأجيج العنصرية والقومية والطائفية الدينية،· وحشوها في العقول والنفوس·· حتى أصبحت هذه العقول والنفوس والأقلام تترنح تحت ضغط دواليب الإعلام المشبوهة·· وأضحت الازدواجية سمة تضرّج ضمير الكاتب والفنان·· ازدواجية العداء الظاهر للاستعمار الغربي·· والانصياع بوعي أو بدون وعي لتوجهاته الثقافية والفكرية المشبوهة والتي تكرسها تقنية تسييس حركة المعلوماتية في المنطقة·· وكانت الحرب اليوغسلافية التي ألقت أثقالها توا مثالا صارخا لكثير من مواقف الكتاب العرب الفكرية والأدبية والإبداعية المضغوطة بآلية طواحين الأعلام الغربية حيث كانت مصداقية هذا الكاتب وهذا المبدع والمفكر نهبا لازدواجية الموقف وضبابية الرؤيا!!
الثقافة والإبداع هما نسقان إنسانيان متحابان متآلفان متجاوران مستاميان ومتموسقان في أدائهما الحياتي والإبداعي·· وإن أي أداء أو موقف أو حركة أو توجه لأي كائن كان من المثقفين والمبدعين يتناقض مع نبل وسمو وإنسانية الثقافة والإبداع·· ينفي تلقائيا صفة الثقافة والإبداع من هذا المثقف أو ذاك المبدع!!
الثقافة والإبداع يحملان سموا ونبلا يتجاوزان العنعنات والشنشنات الذاتية والأنانية والخلافات الأيديولوجية الفجة والطائفية والقبلية·· ومن يتقهقر دون هذا السمو يفقد بالضرورة صفة الثقافة والإبداع من حيث إنهما يحملان صفتهما الإنسانية والعالمية في وعي تقادم حركة الزمان والمكان في عمق التاريخ عبر أجيال الأجيال·
والثقافة والإبداع بوعيهما الإنساني التقدمي في الحياة يقتضيان بالضرورة تحاشد المثقفين والمبدعين وتوحدهم وسموهم في ضرورة توحد وسمو الثقافة والإبداع·· وهذا يعني أن توحد المثقفين تجاه قضاياهم الفكرية والإنسانية·· وتفعيل غيرتهم ووفائهم وتضامنهم في خصائصهم الثقافية والاجتماعية يشكل رافدا حيويا في شد لحمة الثقافة والإبداع على طريق النمو والسمو والنبل والتقدم·· وعندما توهن وتتصدع العلائق الحميمية والتآلفية بين المثقفين ينفلت عقد التوجه الثقافي والإبداعي في المجتمع·· وتتأسن مياه الثقافة ونقاوتها الفكرية والإبداعية!!
المثقفون والمبدعون هم أدوات خلاّقة فاعلة في تحريك المفاعل الإبداعية والثقافية في صميم المجتمع·· من حيث إنهم طلائع الوعي والتنوير في ضمير الأمة·· والمثقف أو المبدع الذي لا يعي دوره في الخلق والإبداع والتغيير في الحياة لا يستحق أن يحمل صفة نبيلة وسامية وهو يجهل معاني دورها الإنساني والثقافي في الحياة!! قلت ذات مرة: المثقف الذي لا يفجر حريق إبداعه ويستوي قصيدة دامية أمام مأساة أمه وهي تغتصب على سجادة صلاتها·· لا يستحق أن يحمل شرف وضمير أمته وعليه أن يرحل ليس مأسوفا عليه من واقعنا الثقافي والفكري والإبداعي في طول الوطن العربي وعرضه·· في هذا الأسبوع المنصرم عندما تعرض النادي الثقافي العربي في لبنان بالتدخل في شؤون نشاطه الفكري والإبداعي انتفض اتحاد كتاب اللبنانيين عن بكرة أبيه أمام هذا المظهر القمعي المعادي للثقافة والإبداع في بلد الاشعاع والإبداع والتنوير·· وتنادي الكتاب والأدباء والشعراء والمبدعون والفنانون ليضعوا حدا لمثل هذا الانتهاك المناهض للثقافة والإبداع·· وذكر بيان اتحاد الكتاب اللبنانيين في بيانه "إنه لمن المذل للبنان وطن الحرية والقلم والوعي قبل أن يكون وطن أي شيء آخر أن يلاحق فيه القلم والوعي والحرية وأن تقتحم أية سلطة فيه أماكنه التي تعتبر من المحرمات الإنسانية والمقدسات الحضارية" ويقول الدكتور غازي القصيبي في مقابلة له في جريدة "الحياة" يوم الثلاثاء المنصرم 29 يونيو 1999 حول ترشيحه لمنظمة اليونسكو: "ومن لم يكتب لا يمكن أن يعرف معاناة الكتابة وشاء قدري أن أتعاطف مع المثقفين لأنني أدرك ما يعانونه وأعرف مدى قيمة حرية الكلمة لأن الإبداع يتوقف على حرية الكلمة ومن دونها لا وجود لي ومن هنا الحاجة الشديدة لأن يكون القائم على هذه المنظمة من أهل الأدب والثقافة"·
حقا أنه لا يمكن انتشال واقعنا العربي المأزوم من محيطه الى خليجه إلا بثقافة حرة وإبداع حر متوهج بلا حدود ولا قيود وتضافر جميع المثقفين والمبدعين العرب أمام رياح "ثقافة" و"إبداع" العولمة المشبوهة!!
·· الإبداع الثقافي يرتبط بالمثقف وهواجسه الثقافية في الحياة·· وهو عطاء - شفافية روحية ووجدانية وذاتية وعقلانية واعية للمثقف الذي به ومنه تتجاذب وتتفارق وتتصدام حركته الميكانيكية المنوطة بالسلوك وحركته الجدلية المنوطة بالإبداع·· وتأخذ المعاناة الوجدانية والروحية حيزها في صميمية متناقضات الأصالة الإبداعية والنرجسية السلوكية لدى المثقف·· مثل هذه المعاناة التي تؤرق جذاذات تمزقاتها الذاتية والنفسية الوجود الحياتي للمبدع·· وتبلغ درجة تمزقاتها الوجدانية أحيانا فيض نسبتها القصوى حتى توشك أن ترتطم بجدار يأس الانتحار مثال "همنغوي·· غوركي·· مايكوفسكي·· خليل حاوي·· أروى صالح" وغيرهم من المبدعين الذين حاقت بهم تمزقاتهم الإبداعية النفسية وارتطمت بجدار اليأس والموت·· مثل هذه الظواهر المأساوية تأخذ تناسجاتها الإبداعية والروحية والوجدانية لدى بعض المبدعين المرهفين الذين تجاوزت أحاسيسهم الوجدانية والروحية درجات من إرهاف انهيار التشابك والتوائم في توحد فيض إبداع وسلوك تجاوزا درجة من انهيار لا يستطيع به مجابهة الحياة!!
أما أشباه المثقفين والمتحذلقين بالإبداع الثقافي فمضارب طموحاتهم "الإبداعية" لا تتعدى التسلق على الأكتاف (أكتاف زملاء المهنة) والتملق لذوي المناصب الثقافية والاجتماعية·· والختل لرفيق درب الثقافة والإبداع والتصيد في مياه "الثقافة" العكرة·· حتى يصبح التطاحن والتنافس والتزاحم بين هذا المثقف "المبدع" أو ذاك أشبه بصفة حرب صامتة تضطرم وتتطاحن في ظلام الغيبة والنميمة والوشاية والحسد والطعن من الخلف!
والثقافة والإبداع الإنسانيان في الجوهر والمظهر هما النفي المتفجر المناكف والمعادي لمثل هذه السلوكيات والأخلاقيات والنفوس "الثقافية" المريضة المتطاحنة والمتناكفة والمتخاتلة والمتشانئة والمتناهشة والمتنابحة خلف كواليس حركة الإبداع والثقافة وجوهرهما الإنسانيين!!
المثقف اللغم أو "المبدع" اللغم الذي يتفجر تحت قدمي زميله ورفيق دربه المهني ليحل محله ويأكل رغيف أطفاله ويركله في الشارع خارج مهنة لا يجيد غيرها·· حتى يصبح بين ظفر العطالة وناب الجوع·· هو "مثقف" سافل لا يمت الى نبل الثقافة وإبداعاتها الإنسانية والوطنية!! |