| تطبيقا لقول الله عز وجل {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} واتباعا للأمر الإلهي بالتعاون لخير البشر ورفع المعاناة والظلم ونشر العدل والخير كما يذكر القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، فقد وفقني الله تعالى إلى زيارة العديد من منظمات حقوق الإنسان المتواجدة في لندن عاصمة الضباب والموطن الجديد أو السجن الكبير للمبعدين العرب والمسلمين والمهاجرين أو المهجرين الذين ضاقت بهم بلدانهم أو حكوماتهم المستبدة التي لا تتحمل رأيا حرا أو ضميرا شريفا أو إنسانا تقدميا أو قلما صادقا لا يعرف النفاق أو التزلف للسلطة المتخلفة الرجعية، ولا يقبل التصفيق والوقوف على أعتاب المتنفذين من أصحاب القرار حتى يفوز بفتات من مائدتهم المنهوبة من عرق الكادحين من الشعوب· يعجب الإنسان كيف أن كثيرا من حكومات العرب والمسلمين لا تسمح بإنشاء جمعيات لحقوق الإنسان تدافع عن حقوقهم المسلوبة وكرامتهم المنتهكة وحرياتهم المستعبدة رجالا ونساء وأطفالا، في حين تزخر وتعج بلاد الغرب ومنها لندن بمنظمات وجمعيات عديدة متخصصة في هذا الحق الإنساني المهم، ومن تلك المنظمات "منظمة العفو الدولية التي تتلخص أهدافها في العمل على إطلاق سراح سجناء الرأي "وهم الناس الذين اعتقلوا بسبب معتقداتهم أو أصلهم العرقي أو جنسهم، لونهم أو لغتهم ولم يستخدموا العنف أو يدعوا إلى استخدامه· وكذلك تعمل منظمة العفو الدولية على إجراء محاكمات عادلة وسريعة للسجناء السياسيين ووضع حد لحوادث "الاختفاء" وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء وأخيرا إلغاء التعذيب والمعاملة القاسية للسجناء·
وتقوم المنظمة بمخاطبة حكومات الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان وتجمع المعلومات عن أي انتهاك لكرامة وحقوق الإنسان في أية دولة دون النظر إلى المعتقد أو الجنس أو الأصل أو اللون· ومن المنظمات الأخرى التي زرتها في زيارتي الأخيرة هي منظمة REDRESS التي تعمل على مناهضة التعذيب والمعاملة اللاإنسانية وتحاول تعويض الذين تعرضوا للتعذيب ومساعدتهم، ومنظمة مراقبة أوضاع حقوق الإنسان: HUMAN RIGHTS WATCH ومنظمة المادة "19" ARTCLE والتي تسعى لتطبيق المادة 19 من لائحة حقوق الإنسان العالمية "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الخاصة بحرية التعبير عن الرأي والتي تقابلها المادة 36 من الدستور الكويتي والتي تنص على أن "حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما" ونلاحظ هنا أن الدستور الكويتي أوضح حق الإنسان في التعبير عن رأيه سواء اتفق الآخرون معه أو اختلفوا وترك حرية الاختيار في وسائل التعبير بقوله وغيرهما أي غير القول والكتابة كالاعتصام والتجمعات الجماهيرية والمسيرات السلمية أو أية رسائل أخرى مألوفة أو جديدة وذلك حسب إبداع الإنسان ومتطلبات كل زمان ومكان وحادثة، فـ "لكل مقام مقال" و"الطرق إلى الله بعدد أنفاس البشر والخلائق"·
لقد عانت الإنسانية منذ بداية الخلق ألوانا من الهدر للكرامة والسحق للإرادة والمصادرة للحريات، ولقد أدى وجود الطواغيت الظالمين عبر التاريخ البشري وتسلطهم وأحزابهم أو عوائلهم أو عسكرهم بمعونة البطانة الفاسدة على الشعوب ونهب مقدراتهم وثرواتهم جعل مأساة انتهاك حقوق الإنسان تأخذ أبعادا دموية انتهت إلى مقتل الملايين من البشر وتشريد أضعافهم، إضافة إلى التعدي على أعراضهم ومساكنهم وممتلكاتهم وتقييد حرية التنقل والعمل والتعبير عن الرأي والعقيدة، ولم تعرف البشرية انفراجا حقيقيا لها من عذاباتها هذه واستعبادها القهري إلا في ظل دعوات الأنبياء الإلهيين والأديان السماوية السمحاء قبل أن تطالها التحريف والتزييف على أيدي وعاظ السلاطين وعلماء السلطة وفقهاء القصور وبائعي الدين والأشداء على المسلمين والرحماء على الكافرين والأعزة على المظلومين والمستضعفين والأذلة على الحكام والمستعمرين خلافا للأمر الإلهي والخلق الإسلامي "أشداء على الكفار ، رحماء بينهم" "أعزة على الكافرين وأذلة على المؤمنين"·
ولقد سبق الدين الإسلامي العظيم الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بحوالي ألف وأربعمائة عام حين خاطب الخالق الباري واللطيف الخبير البشرية بقوله عز وجل "ولقد كرمنا بني آدم" وقوله سبحانه وتعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}· ولقد عاش رسول الإنسانية الخالد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم يسعى إلى إزالة الظلم والاستبداد لكي يسود العدل والقسط والحرية ويربي أهل بيته الأطهار وأصحابه الكرام على الاهتمام بشؤون البشر وحقوق الإنسان، فيقول صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبا كل مسلم وكل من يدعي الإسلام ويدعي أنه من أتباع سنته وقرآنه "من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم" "ومن سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم"· |