| تعود الذكرى الأليمة للغزو العراقي الآثم لهذه الواحة الصغيرة فتلبس البلاد ثوبا أسود مجددة أحزانها مبرزة معاناة وطن وشعب ومستذكرة مرة أخرى تلك الطعنة النجلاء التي أصابت الأمة في سويداء فؤادها فزادت أغلالها أغلالاً ولفت من حولها قيوداً فوق قيودها· تعود الذكرى وما زال هذا الوطن الصغير وشعبه يعيش يومه تحت هاجس الخوف والتخوف ويعاني من ويلات تلك الملحمة الأليمة فيكابد آثارها، بل وما زالت أمة العرب والإسلام قاطبة تحيا تحت خيمة شديدة وطأتها ومدلهمة خطوبها· تتجدد الذكرى وما زال العراق يئن تحت وطأة القهر والظلم بعد أن خرج من دنيا التاريخ الحديث ليصبح من أحاديث داحس والغبراء ترويها عجائز الأرض لأحفادها·
في هذه الواحة الصغيرة من أرض الله الواسعة نعيش يومنا تحت هاجس الاحتلال وكابوس الغزو ورعب الأسر وصدمة المفاجأة، تؤرق جفوننا طبول الشمال وقرعها حتى أصبح الشمال شغلنا الشاغل فتباطأت بذلك عجلة التنمية وتردت أوضاع الاقتصاد وتهاوت الخدمات الصحية وتقهقرت أوضاع التربية·· بل إن ما يزيد الطين بلة أن سلوكيات جيل ما بعد الغزو البربري تنذر بعظائم القادم من الأمور وتهدد بويل صورة المستقبل·
نحن شعب ألجم الغزو عقله فتوقف به التاريخ عند الثاني من أغسطس عام 1990، فتقيدت بذلك حركته وتوقفت عقارب الساعة عند تلك اللحظة المشؤومة، ومن ثم رحنا أفرادا ومسؤولين نبحث من خلال مشجب الغزو على ما يبرر إخفاقاتنا ويعلل كسلنا ونجعل من آثار الغزو مسمارا نعلق عليه تقاعسنا·
بعيد التحرير كنا نعيش حلماً وردياً بوطن جميل نعود إليه نحمله على الأكف ونسوّره بالأفئدة ونحوّطه بالمهج· كان "ميثاق جدة" ميلاد عهد جديد من خلاله تجدد شباب وطننا وكان الميثاق "يوفوريا" الأمل الذي شكل زاد يومنا إبان أيام الاحتلال·· كانت الفرصة على مرمى البصر لإرساء دعائم مجتمع جديد قوامه العدل وركائزه المساواة ولبنته تكافؤ الفرص وركيزته ألا تمييز بين المواطنين سوى ذلك المبني على الكفاءة والخبرة والعطاء· كان الميثاق أملنا في بناء تنمية شاملة تستند إلى الرقي بثروتنا البشرية أولاً وإلى رفع كفاءة استخدام مواردنا المادية والطبيعية في المقام الثاني في عالم ديدنه التغير وطبعه التحول وسجيته التبدل·
لكن هذا الحلم الجميل سرعان ما أصبح أضغاث أحلام فتهاوت صروح الأمل التي بنيناها وتسربت الأماني العذاب من بين أناملنا، فقد عدنا مثلما كنا، عدنا مجتمعا لا يعترف بالكفاءة ولا ينظر إلى الخبرة ولا يولي العطاء أهمية· عدنا طرائق قددا تتناحر في التوافه من الأمور قبل جليلها، وتتناحر في الغث من القضايا قبل سمينها· فتوسد الأمور الكثيرون ممن هم ليسوا أهلاً للمسؤولية، وبذلك ضاعت الأمانة ورغم اللون القاتم للصورة بيد أن في الأفق بارقة أمل تبشر بعبور جسر الغزو الآثم وتهلل بتخطي حاجزه الذي كبلنا بالأغلال·· بارقة أمل تلمع مشرقة في عيون أطفالنا الذين نضع على أكتافهم الغضة تحقيق حلم "ميثاق جدة" وتعديل إخفاقات مسار جيلنا·· |