| في رغوة الطفولة ولدونتها·· ونحن نتسلق الدرجات الأولى من أعمارنا·· كان قرص الشمس المتوهج يثير شهية تأملات طفولتنا·· وكنا نتابع بدهشة حركة مساراته نهاراً·· كما نتابع حركة مسارات القمر ليلاً·· وكانت جداول الذهب والفضة المنهمرين من صحني ضوئيهما·· تثير فضول طفولتنا في فلك أسرار مسارات هذين الكوكبين السيّارين المدهشين!!
وكنا نغلق عيوننا ونفتحها على حركة مواقيت منازل مساراتهما بدهشة طفولية دون فك جلال أسرار مسارات هذين الكوكبين السيّارين العظيمين!!
وكنا في دامس الليالي الحالكة نتابع وميض نجوم السماء ونتباهى بمعرفة أسمائها كالزهرة والثريا والمشتري والقطب وسهيل والعقرب·· وكان القمر أقرب إلى نبض دهشتنا وحميمية وله عشقنا الطفولي·· وكنا نتسقط حركة من البحر وجزره من حركة مسارات منازله·· وكانت قسمات طلعته المضمّخة بأشعة الذهب الوهاجة تثير في طفولتنا اشتهاء تجانس عذب الحياة·· أما وشائع الخيوط الفضية المنهمرة من قرص الشمس على رؤوسنا فإنها تنهش بقسوة حرارتها طراوة أجسامنا الطفولية وكنا نلوذ عنها إلى أفياء الحيطان الطينية الآيلة إلى السقوط!!
وكان الرهان بيننا هو من منا يستطيع كسر عين الشمس بوخز عينه·· وكنا نرفع رؤوسنا ونرمق قرصها المتوهج بعيوننا·· وعندما تطرف عين أحدنا قبل الآخر يخسر الرهان·· وكنت أكثر المتباهين والممارين·· فقد كانت لدي عينان حادتان تتعاقبان نجوم الظهر واحدة بعد الأخرى·
وكنت أرفع رأسي وأضع عيني نداً واثقاً في مكاسرة عين الشمس·· وكان هذا ما يثير دهشة أترابي·· ويؤجج غضب والدتي!!
وقد أتت الأيام مكشرة لتؤكد مخاوف والدتي فقد أصبت بالرمد وكانت الدموع المحرقة تنهمر من عينيّ المصبوغتين بالدم إذا فتحتهما للنور·· وقد اعيتنا الوصفات الطبية والبحث عن العلاج·· ولكن من دون جدوى·· وقد طال حال الرمد إلى أكثر من سنة ونصف السنة بعدها تماثلت إلى الشفاء·· إلا أن قوة البصر وحدته لم تكن على سابق عهدها·· وكانت والدتي تؤكد واثقة أني أصبت بعين!!
ولا أدري إن كانت عين الشمس أم عين البشر!!
هكذا تلامست أشرطة الذاكرة متذاكرة أيام الطفولة وأنا أتابع آية الكسوف في شفافية كونية تتم في أدائية ارتعاشات لذة دانفة يقوم بها القمر وهو يزحف متيماً إلى معشوقته الشمس يتجزؤها رويداً·· رويداً·· قبلة·· قبلة·· وقطعة·· قطعة·· حتى يطبق على دائرتها ويغمض عينيه في ذوب عينيها!!
وعلى مدار ألفي عام من معاناة وجد التأوّه والتقارب والتداخل والتلاصق والتمازج في أوار ذوبٍ ذهبي وفضي:
والشمس تنفش كثيف جدائلها الذهبية خصلة·· خصلة في نهوض سناء الشرق ودوائر شفتيها مزوّقة بـ "روج" الشفق·· وفي غطيط الغروب تلملمه خصلة·· خصلة·· ودوائر شفتيها الناعستين أيضاً مزوقة بــ "روج" الغسق!!
والقمر الدّنف المعنىّ يزحف رويداً - رويداً·· في مواقيته المعدودة إلى الشمس حتى تتلاهب دائرتا جسديهما·· في ذوب لذة دائرة جسد واحدة·· وشيئاً فشيئاً·· يسدل ظلام الكون عتم ستائره على جسديهما المبللين بأوار الذهب والفضة·· فترتعش عيون الدنيا في ذوب التمام ارتعاشاتهما·· حتى لحظات برهة فك ارتباطهما المقدس·· عندها يذهب كل إلى مسارات منازله الطبيعية!!
وأحسب أن ألوفاً مؤلفة من عشاق الأرض كانوا يتأوّهون وجداً وعشقاً ورؤوسهم مرفوعة إلى السماء ينظرون بدهشة أسطورة عاشقين دنفين لا يلتحمان ولا يُغرغان رغبتهما على مدار ألفي عام·· إلا مرة واحدة!! حقاً إنها عجائب الدنيا·· وليس لمخلوق في الدنيا أن ينظر إلى هذه الأعجوبة إلا مرة واحدة في حياته إذا حالفه الحظ!!
تباينت تفسيرات شعوب الأرض وأممها تجاه ظاهرتي الخسوف والكسوف وقد يعجب المرء لتماثل بعض هذه التفسيرات رغم بُعد المسافات·· إلا أن تماثل أسطورية التوجهات لدى الشعوب تؤدي بالضرورة إلى تماثل وتشابه أسطورية هذه التفسيرات!!
في تلك الأيام الغابرة من طفولتنا كنا نذهب إلى البحر في تجمعات احتجاجية، نقرع أواني الطبخ والبخور احتجاجاً على خسوف القمر متوهمين أن سمكة كبيرة ابتلعت القمر ونحن نرفع أصواتنا "يا حوتة زوعي قمرنا"، وفي الصين عند الكسوف كانوا يقرعون الأواني والطبول وهم يتوعدون التنانين في اعتقادهم أنها تزدرد الشمس·· وترى قبائل "الأراباهو" الهندية في سهول شمال أمريكا الشمالية أن ظاهرة الكسوف هي فعل جنسي غير شرعي بين الشمس والقمر·· وفي فيتنام يعتقدون أن ضفدعاً ضخماً متوحشاً يقوم بابتلاع الشمس، وفي البرازيل يعتقدون أن نسراً كبيراً يبتلع الشمس·· وهذه حال الشعوب والأمم منذ الأزل عندما تعجز عن تفسير الظواهر الطبيعية على أسس علمية وعقلانية تتوجه تلقائياً إلى الخرافة!!
وبعيداً عن الخرافة لدى الشعوب·· فإن التجنيد الإعلامي والمعلوماتي الذي صاحب ظاهرة كسوف الشمس في الأسبوع المنصرم الذي قلب الدنيا عن بكرة أبيها رأساً على عقب في متابعة محمومة ليس لها سابقة تجاه ظاهرة الكسوف·· وبغض النظر عن ابتزاز ملايين الدولارات في بيع نظارات الكسوف·· فإن شيئاً من تراثية الخرافة والفضول لدى الملايين تتكشف للعيان·· كما بدت سطوة المعلوماتية وتأثيراتها المذهلة في تحريك الأرض ومن عليها تجاه كسوف الشمس·· وكم تمنيت أن ترتفع سطوة هذا الإعلام المعلوماتي إلى مراتب الشرف والنبل تجاه الحقائق العلمية والإنسانية وحشد إمكانياتها المذهلة في نفض غبار الجهل والتخلف من العقول والنفوس والأرواح وتكريس إنسانية الإنسان وحقوقه المشروعة على وجه الأرض!! |