| بينما تتوالى الأيام سراعاً لتسقط في بئر الزمن، إيذاناً ببداية الألفية الثالثة، فإن نهاية قرن وبداية قرن آخر تظل مصطلحاً عملياً لتقسيم الزمن، بغية تسهيل التفاهم والتعامل بين الناس في حياتهم اليومية·· لا تحمل بذاتها دلالة، ولا تغير شيئاً في الواقع العملي، إلا بقدر ما يخلعه عليها الناس من أهمية احتفالية·
ولم يكن كرّ الزمن وتعاقب القرون - بالنسبة لبلد مثل مصر - يمثل تحولاً في العقائد والمفاهيم، ولا انتقالاً حاداً من طور إلى طور، بل مضت سنن التطور فيها غير عابئة بحسابات الزمن·· تتراكم الخبرات والتجارب عبر القرون، وتتوالد أحداث التاريخ من رحم أحدات سبقتها، بعضها من صنع البشر والآخر من صنع الطبيعة، ومن دون أن يمثل الوعي بالزمن وتحولاته عبئاً عقلياً أو شعورياً يدفع إلى تأمل المستقبل واستشرافه·
ولكن ما حملته العقود الأخيرة من القرن المنصرم من تغيرات وثورات في مجال العلم والمعرفة والتكنولوجيا، وما تنجزه العقول ومعامل البحث من اكتشافات وإضافات في شتى المجالات كل يوم، وما طرأ على البيئة العالمية من تعاظم قوى وتهاوي قوى أخرى، وما ينشب من أشكال جديدة للصراعات والحروب لم تكن معروفة من قبل، ما يطرأ على الاقتصاد العالمي من قفزات وتغيرات·· كل ذلك بات يثير من الأخطار والمخاوف، بقدر ما يثير من التوقعات والآمال لدى شعوب العالم، يصعب بل يكاد يستحيل العثور على قاسم مشترك بينها·· لأسباب عديدة أهمها: أن درجة الوعي بحركة الزمن وتحولاته أصبحت تختلف اختلافاً شديداً، بل صارخاً بين شعوب الكرة الأرضية على اتساعها، وبالتالي مدى استعداد الشعوب والدول لتلقي واستقبال ما يقع من تغيرات والتعامل معها·
ولهذا السبب لم أُدهش كثيراً حين وجدت أن اهتمامنا في مصر قد انصرف إلى البحث عن أنجع السبل وأفضل الطرق للاحتفال بحلول الألفية الثالثة·· وأن يثور خلاف حول ما سوف تتكلفه من إنفاق؟ وهل تقام عند سفح هضبة الأهرامات أم في الأقصر؟ ومن الذي سيعهد إليه بتنظيم هذا الحفل العالمي الذي سيقوم على إخراجه مخرج عالمي مشهور، وهل هذه هي الطريقة المثلى لاحتفال مصر بها؟
ولا بأس في أن يشغل البعض أنفسهم بهذه الاحتفالات، لأسباب تجارية أو سياحية عارضة، قد تعود ببعض المنافع والمكاسب المالية، والمباهج الوقتية على عدد محدود من الناس لا أكثر، ولكنها لا ينبغي أن تنسينا أن الوعي بحركة الزمن لم يعد مجرد احتفال يغرق فيه البعض حتى الثمالة، ثم يذهب كل شيء هباء بطلوع فجر الألفية الثالثة بعد الميلاد·· بل ربما كانت مناسبة لرد الاعتبار إلى إبداعات العقل المصري وطموحاته في استشراف المستقبل، وفي تصور المعوقات والمحفزات التي تثبطه أو تنشطه، وفي تنبيهه إلى التهديدات والأخطار التي تناوئه مع مطلع قرن جديد أو ألفية جديدة من عمر البشرية·· وخاصة أن محصلة التغييرات والتطورات التي شهدها العالم خلال العقود الخمسة الأخيرة، توشك أن تتبلور في اتجاهات محددة المعالم·· أغلب الظن أنها سوف تؤثر على مجرى الأحداث في المستقبل القريب·
ونحن في هذا لا نفعل شيئاً لا يفعله غيرنا، فهناك حالياً وفد أمريكي يطوف دول العالم، يسعى إلى التعرف على الأخطار التي تهدد "بيئة الأمن العالمية" في القرن الحادي والعشرين، ويجمع من الرؤى والآراء ما يتباين بتباين المصالح والثقافات ودرجة الوعي· ولم يكن غريباً أن يزور هذا الوفد مصر وأن يلتقي ببعض المفكرين والمثقفين، ويستمع إلى آرائهم· وكأن أمريكا - تلك الدولة الكبرى المهيمنة على العالم - بحاجة إلى الاستنارة بما لدينا من هواجس أو أفكار·
ونحن لو تساءلنا بدورنا: ما الأخطار والتهديدات التي تحاصرنا أو تكاد تمسك بخناقنا؟ لوجدنا أننا في مصر والعالم العربي نتعرض مع مطلع الألفية القادمة إلى ثلاث دوائر من احتمالات الخطر، تنطوي كل دائرة منها على تفريعات كثيرة، تستحق أن يجتمع أهل العلم والرأي على النظر فيها والتفكير في أمرها·
أولاها: أن قوانين "العولمة" لم تعد خياراً نستطيع أن نأخذه أو نتركه بل صارت حركة تاريخية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وتكنولوجية، تتحدى الحدود وتقتحم الحواجز وتسعى إلى فرض مساراتها· ومن الواضح أن هذه الحركة تستمد قوة اندفاعها من غلبة المؤسسات والقوى الاقتصادية والمالية النافذة والمسيطرة على الإنتاج وعلى حركة الأسواق العالمية، والتي تستطيع أن تكتسح في طريقها قوى المقاومة المحلية والإقليمية· تساندها قوة عسكرية متفوقة ومركب عسكري صناعي تكنولوجي يتركز في أكبر دولة في العالم هي الولايات المتحدة الأمريكية تدور في فلكها معظم دول أوروبا الصناعية واليابان· وتحاول أن تجتذب إلى فلكها قوى ضخمة مثل الصين وروسيا ودولاً آسيوية أخرى، في صراع لم تحسم نتائجه بعد·
وقد بدد العالم العربي أوراقه التي كانت قائمة على الثروة النفطية منذ عقدين من الزمان أو أكثر، ولم يعد بوسعه إلا أن يلتحق ذيلاً في هذه المجموعة أو تلك، أو يترك على قارعة الطريق، إهمالاً لشأنه·· ولما يمكن أن تجود به المقادير من شفاعات أو مفاجآت، شأنه شأن عشرات الشعوب الصغيرة الضائعة في متاهة الوحدة·
ثانيها: أننا نواجه نتيجة ذلك، خطر ذوبان ثقافي وحضاري طاغيا، يتغلغل كل يوم في البنية الفكرية والثقافية والقيمية، ونحن لا نقاومه إلا بصراخ أشبه بعواء ذئب جريح، يتحدث عن "الغزو الثقافي"، دون أن نفعل شيئاً لمقاربته واقتحامه ومحاولة التكيف معه بما لا يهدر الهوية أو يقضي على جذورها·
ويبدو - من وجهة نظري - أن الخطر الحقيقي الذي نواجهه في هذا الصدد، خطر داخلي ينشأ نتيجة التغير الذي يطرأ تدريجياً على شخصية الشعوب العربية، التي يزاداد اعتمادها على الآخر فيما تتنتجه، وفيما تستهلكه، وفيما تتعلمه، وفيما تقرأه، وحتى فيما تلعبه أو تتلهى به· ويتلاشى نصيبها يوماً بعد يوم فيما تضيفه إلى الوعي العالمي بوجودها وتأثريها· ومع تضاؤل قدرتها على المقاومة والإنتاج والإبداع تصبح شديدة الهشاشة، عجينة يسهل تشكيلها أو تدميرها·
ثالث الأخطار التي تهددنا: هو سيطرة بيئة العنف واللجوء إلى استخدام القوة، واندحار قيمة العدالة على مستوى المجتمع ثم على المستوى الدولي·
وأغلب الظن أن العالم مقبل على صراع حاد بين الأغنياء والفقراء، بين الشعوب القادرة التي تملك وسائل القوة والتقدم والعلم، وشعوب تفقد تدريجياً أسباب قوتها· والأخطار الحقيقية التي تبدو أعراضها للعيان، تتمثل في تدمير البيئة واستهلاك الثروات واستنزافها بصورة منظمة في الدول الفقيرة، مع تفشي أمراض الإيدز ونقص المناعة وسوء التغذية وعودة ظهور أمراض كانت قد اختفت مثل السل وغيره في معظم الدول الأفريقية والآسيوية، وانتشار المجاعات والحروب القبلية الناجمة عنها وما يصاحبها من مذابح وفظائع لم تشهد أفريقيا والعالم لها مثيلاً منذ وقت طويل·
وخلال السنوات الأخيرة من الألفية الثانية، فإن حروب العراق والصرب والبوسنة وقبلها ضياع الأرض الفلسطينية تقدم بروفة حية للأساليب الاستئصالية في حل الصراعات والخلافات الدولية، على نحو سوف يشجع منطق العنف واللجوء إلى القوة لكل من يملك أسبابها· والنتيجة المنطقية لذلك هي أن الألفية القادمة قد تشهد موت الأمم المتحدة وشللها، نفس المصير الذي شهدته "عصبة الأمم"·
هذه التهديدات وغيرها، تقف أمامنا على أعتاب الألفية القادمة، وسوف تعبر معنا من نهايات زمنية إلى بدايات أخرى·· لن تغير من الأمر شيئاً· وقد تستحق أن نمنحها من اهتمامنا وتفكيرنا شيئاً مما نمنحه للاحتفال بالألفية القادمة عند سفح الهرم!
*عن مجلة الكتب وجهات نظر - العدد السادس شهر يوليو "
** رئيس تحرير مجلة الكتب وجهات نظر |