| منذ أكثر من ثلاثة عقود والمتابعون لمهازل مسرحيات وزارة الأشغال ينادون بأعلى أصواتهم بإيقاف المسلسل "المسخرة"، وبخاصة في الأمور ذات الصلة بالمشاريع الكبرى للدولة وفيما يتعلق بحكايات "الأوامر التغييرية" لهذه المشاريع· وكلما ارتفعت الأصوات تنادي بضبط الأمور وحزمها كانت الحكومة الرشيدة تتخذ موقف "عمك أصمخ" أو "الحقران يقطع المصران" أحيانا وتنحو نحو السخرية من هذه الانتقادات أحيانا أخرى· لكن يبدو أن الأمور وصلت حدا أزكم رائحة فسادها الأنوف، بما في ذلك الأنوف الحكومية المعطرة المبخرة، وإزاء هذا الوضع لم تجد الحكومة بدا من الاعتراف الضمني بصحة التهم التي كالها منتقدو وزارة الأشغال، ولم تر الحكومة الموقرة مخرجا غير الاعتراف العلني بعدم كفاءة الجهاز الهندسي والإشرافي في وزارة الأشغال العامة، وبذلك لم تملك الحكومة خيارا غير سحب عدد من المشاريع الكبرى من وزارة الأشغال العامة·
هذا الوضع يطرح عددا من الأسئلة التي تحتاج منا وقفة وتحتاج من مجلس الأمة الى فتح باب المحاسبة الجدية لوزير الأشغال بصفته وللوزارة بأكملها، فقضية الهدر في الأموال العامة ليست بدعة مستحدثة في المجتمع الكويتي، لكن ما يجري في هذه الوزارة بالذات قضية فاقت كل تصور وتعدت كل حدود· ولعل في الأوامر التغييرية لبعض المشاريع الكبرى، من مثل قصر السيف، مثال جلي على مدى الهدر في هذه الأموال، وعلى درجة الاستخفاف التي مارستها الحكومات السابقة· والاعتراف الحكومي بعدم كفاءة أجهزة وزارة الأشغال العامة يطرح أيضا تساؤلا كبيرا حول مدى نجاح الحكومة في تحقيق أهداف التنمية التي جعلت منها الحكومة معزوفتها المفضلة التي تترنم بها في كل مناسبة وتتشدق بها في كل حين· فالمفترض أن خطط التعليم العالي قد هيأت الأرضية المناسبة لتوفير قوة العمل الوطنية القادرة على خدمة المجتمع في مناحي الحياة المتعددة، والمفترض أيضا أن خريجي جامعة الكويت وخريجي بعثات وزارة التعليم العالي يمثلون ثمرة جهود المجتمع في مجال التعليم العالي· وبكل تجرد وموضوعية لا يمكننا وضع اللوم في عدم تحقيق هذا الهدف على مؤسسات التعليم العالي فحسب، بل إن سياسة التوظيف ومحسوبيات الترقيات والمعايير السائدة في تقلد المناصب القيادية هي السبب الرئيسي والمباشر في وصولنا الى الوضع المأساوي الذي نحن فيه· فعندما تحل معايير "الولاء المطلق" للأفراد محل معايير الكفاءة تنهار القيم، وحيثما تحل معايير "الطائفية" السياسية محل أسس تكافؤ الفرص تفسد الذمم، وعندما تحل معايير "الولاءات السياسية" محل معايير المواطنة ينتشر سرطان الفساد·
إن الاعتراف الحكومي بأيلولة وزارة الأشغال الى السقوط لا يمثل في حقيقته سوى بداية الطريق، فالفساد ليس مقتصرا على هذه الوزارة وحدها والمحسوبية ليست خاصية من خصائص وزارة الأشغال فحسب وفساد الذمم ليس منحصرا فيها فقط· إن غالبية أجهزة ومؤسسات الدولة تعاني من المشاكل ذاتها التي تنخر في عظام وزارة الأشغال، فالمرض وبائي المظهر والظاهرة عامة شاملة والسبب مشترك بينها· ومن يرد علاج الوضع فلا بد له من أن يحمل مبضع الجراح الحاذق ليستأصل سرطان فساد الذمم في كل هيئة ومؤسسة·· |