رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17-24 رجب 1420هـ -27 أكتوبر 2 نوفمبر 1999
العدد 1400

العالم ليس عقلاً
دبي الحربي
dabbey@taleea.com

لم أجد للتعليق على ما أثاره الحكم على أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت د· أحمد البغدادي، أفضل من هذا العنوان مع الاعتذار للفيلسوف عبدالله القصيمي· فالمجتمعات والأفراد تحركها العاطفة أكثر من العقل، والحكمة والمنطق·

فهناك أناس لم يعرفوا د· البغدادي ولا منهجه الفكري ولم يقرأوا له بل هناك أميون وانصاف متعلمين أو مثقفين، وهناك من لا يفقهون في علوم الدين والحياة إلا ما تواتر لهم من مقولات من هنا وهناك وعن هذا أو ذاك·

وكثير منهم بادروا بإدانة د· البغدادي تحت وطأة العاطفة الدينية والتهييج العاطفي الذي مارسه البعض وبأكثر مما نطقت به المحكمة، وأساءوا له أيما إساءة وأخرجوه من الملة·· فالبغدادي كما عرفناه إنسان خلوق ومؤدب ويملك شفافية عالية فكريا واجتماعيا، وهو أكثر المدافعين عن الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، وهو يفهم الإسلام فهما عصريا مستنيرا، ويرفض استغلال الدين لجر المجتمعات الإسلامية الى الوراء، أو إخضاعه للمصالح السياسية والاقتصادية، والأعراف والتقاليد والعادات والقيم، فهذه جميعا أمور متحركة تتأثر بحركة المجتمع وتطوره ونضجه الحضاري وإن كان هذا التأثر بطيئا، وقد لا يتلمسه إلا المتخصصون والمتابعون لحركة التطور والحراك الاجتماعي، ومن هنا بات لزاما علينا أن نقف وقفة تأمل ونحكم عقولنا قبل عواطفنا·

 

حقوق الإنسان مبادئ سامية

 

هناك آيات وأحاديث نبوية يجب الوقوف أمامها طويلا مثل الآية الكريمة: {وذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر، إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم} فهذا حديث إلهي موجه للرسول (صلى الله عليه وسلم) فما بالك بالبشر، وقوله تعالى: {وقل الحق من ربكم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر··}· وهناك آيات وأحاديث أخرى تصب بهذا المعنى، مثل: {إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ومن يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له}·· {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}·

أي أن هناك مشيئة إلهية في الهداية والضلال أكبر من إرادة البشر، وعلى علماء المسلمين التنبه الى ذلك بدلا من مجاهرتهم لمعاداة المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، الذي كرمه الله في محكم كتابه·· "فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" والإنسان يولد على الفطرة·· ولكن أبويه يهودانه، أو ينصرانه·· وهما يحددان له مذهبه·· بحكم التربية والبيئة لا بحكم العقل وحرية الاختيار·

فالثورة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان الأساسية، بغض النظر عن ملته وعرقه وأصله وفصله والتي لا يمكن لكائن من كان أن يتجاهلها فإن الآيات السالفة الذكر وغيرها الكثير مما يمكن أن نستخلصه من الآيات الكريمة والسيرة النبوية الشريفة، تشير الى أن الحساب على مبدأ الاعتقاد والرأي هو أمر من أمور الله تعالى ولا يجب أن يناط بالبشر مهما بلغت مكانتهم، لأن في ذلك تدخل الأهواء والملل والمصالح السياسية والمادية··· الخ، ونحن نستذكر عبر التاريخ الإسلامي وغيره من تواريخ الأديان والحضارات، كيف أن التعسف والأهواء والتحيز العاطفي والمصلحي للملة والاعتقاد كانت من الأسباب الرئيسية التي أدت الى اضطهاد الكثير من العلماء والمفكرين بمن فيهم علماء ومبدعون مسلمون أفذاذ، وأحيانا في البلد أو العصر نفسه يتحول الأمر الى النقيض من اضطهاد طائفة أو أصحاب رأي وتكريم مناوئيهم ثم ينقلب الحال لينكل بالأولين ويقرب المناوئين، والتاريخ الإسلامي حافل بمثل هذه الأمثلة والإشكاليات، خاصة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وتوقف الوحي فكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) مرجعا في عصره، والوحي ينزل أحيانا ليصحح بعض الأمور وما اختلف به الصحابة لدرجة أنه يحمل أحيانا تأنيبا وتوجيها للرسول (صلى الله عليه وسلم)· والرسول الكريم لم يضره وهو الذي لا ينطق عن الهوى أن يقول للناس أنتم أدرى بشؤون دنياكم·· وإن يفرج عن أسرى "بدر"·· وأن يقول لكفار مكة اذهبوا فأنتم الطلقاء··· الخ·

فالمسألة كما يدركها المتابع والمطلع على مسيرة الأمم والتاريخ البشري أعقد من أن يحيط بها شخص أو جماعة والمتابع سيدرك ذلك أن مفكرين ومخترعين ومكتشفين وعلماء أفذاذا خسرتهم مجتمعاتهم وأممهم والبشرية عموما لمجرد الخلاف بالرأي أو الاعتقاد، بل لم يسلم الأنبياء من ذلك الاضطهاد والقتل، فمن هنا فطن العالم الى هذه المسألة، وجعل من حرية البحث والاعتقاد والرأي والمجاهرة فيه، حقا أصيلا من حقوق الإنسان الأساسية، أكبر من التشريعات القطرية والمذهبية أو الطائفية وكذلك مجمل بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان··· بل إن نضالات البشرية لم تتوقف عند هذا الحد بل تجاوزت ذلك الى إلزام الدول احترام العقدين الاجتماعي والاقتصادي ذات العلاقة الوطيدة بحقوق الإنسان الأساسية، بل لا يمكن تحقيق إحداها بمعزل عن الأخرى·· بما يحمي الإنسان من بطش أخيه الإنسان ليعمر الأرض·

فمثلما نطالب الآخرين باحترام آرائنا ومعتقداتنا الخاصة، علينا أن نحترم حقوق الآخرين، فالآخرون لا ينظرون الى الإسلام والقرآن بالقدسية نفسها التي ننظر بها نحن، كما هي الحال بمقدساتهم ومذاهبهم بالنسبة لنا·· فنحن لا ننظر لها بالقدسية نفسها، فنحن نعيش الآن في عصر زادت فيه أسلحة الدمار الشامل وأدوات القتل والقهر وبالقدر نفسه الذي زادت فيه أدوات ووسائل الاتصال السلمي والحوار والتعارف، والاطلاع، وإمكانات الاحترام المتبادل وتفهم الآخر بدلا من إلغائه واستهجان منطلقاته أو الحجر والتضييق عليه فعلينا أن نختار منهج التعايش السلمي ومنطلقات ثقافة السلام واحترام الأسس والضوابط التي هي محل إجماع عالمي وتؤطر للإنسان المعاصر حقوقه رجلا كان أم امرأة، طفلا أم كهلا·· وأن نحترم حق الاختلاف مع بعضنا بعضا ومع الآخرين·· فالله يغفر ما دون أن يشرك به·

فمثلما نأخذ من علوم الآخرين ونستفيد من إنجازاتهم التقنية والفنية علينا أن نتفهم مناهجهم في الحياة ونستفيد منها والتي قد تكون بالضرورة سببا في هذا التفوق أو نتاجا واعيا له ويجب ألاّ نستخف بما لديهم في المسائل الإنسانية ونقدس ما لدينا في هذا الشأن دون وعي ودونما أن نحكم العقل بذلك كله·

فنحن في المجتمعات العربية والى حد ما الإسلامية نتمسك بقيم وعادات لا يفرضها وقد لا يقرها الإسلام، ونستجيب بشكل بطيء ومتعثر لأمور اجتماعية وسياسية واقتصادية وانطلاقات إنسانية رائدة· هي من صميم مقاصد الشريعة لو أمعنا النظر وغلبنا العقل في معظم أمورنا الحياتية فما صلح للسلف ليس بالضرورة يصلح لزماننا هذا، فكثير من الأمور سواء في الأمور الفقهية أو الاجتماعية هي نتاج للظروف وللوقائع والمعطيات المكانية والزمانية، وما تكشّف لنا في عصرنا هذا يفوق بأضعاف مضاعفة حصيلة منجزات البشرية طوال العصور والعهود والقرون الماضية· ويأتي التوجيه السامي لسمو أمير البلاد بالعفو عن البغدادي يتوج هذا الفهم المتحضر·· واستجابة للمواثيق والعهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان·

 

الغاية لا تبرر الوسيلة؟

 

وهذا الأمر ينطبق على ما أثير حول الحملة التي شنتها وزارة الداخلية على ما سمي بأوكار الدعارة والمخدرات وهو أمر تشكر عليه وزارة الداخلية ولكن الغاية لا تبرر الوسيلة فهناك ضوابط والإسلام أحرص ما يكون على هذه الضوابط والإجراءات، فالغاية مهما كانت نبيلة لا تبرر الوسيلة والقاعدة الشرعية تقول ادرأوا الحدود بالشبهات·· والوقاية خير من العلاج أيضا، أما أن ينبري البعض وهم من المتحمسين لتطبيق الشريعة ليصفوا لجنة الدفاع عن الحريات، بأنها لجنة الدفاع عن الدعارة فهو أمر لا يستقيم مع العقل خاصة إذا علمنا أن أفرادها أبعد ما يكونون عن هذه الصفة وهم مع محاربة الدعارة وهم أيضا من محاربي المخدرات ومنهم الناشطون في هذا المجال، فالدفاع ليس عن الدعارة بل عن أصول وثوابت تنظيمية لأي إجراء، فلجنة الدفاع عن الحريات ترفع راية التحذير ونحن نؤيدهم في ذلك حتى لا تعمينا العاطفة والانجرار في مزالق الغاية تبرر الوسيلة، فهناك مبادئ أصول مرعية شرعا وقانونا لا يجب إهدارها، تحت أية ذريعة، حتى لا نأخذ الناس بالشبهات، ونعاتب النوايا ونغلب الاتهام على البراءة التي هي لصيقة في سلوك البشر ما لم يثبت العكس· بل إن من يطالبون بتطبيق الشريعة والحدود لا يلتزمون في فورة اندفاعهم بأبسط الأمور في هذا الشأن خاصة المتعلقة في مسألة الزنى، وقاعدة الإثبات في هذه المسألة من أصعب وأعقد الأمور إثباتا في الشرع لحكمة قد لا يعلمها إلا الله مهما اجتهدنا في ذلك، بل يؤيدون في ذلك القانون السائد الذي يتهمونه بأنه وضعي وقاصر، ووضعوا أنفسهم في خانة حرجة، فأصبحت الغاية عندهم تبرر الوسيلة، والشبهة عندهم مصدرا للإدانة والعقاب·· وفرض قوانين الطوارئ ومنع التجوال باتت عندهم هي الأساس لا الاستثناء، هذه حال بعض القوى الإسلامية ــ مع الأسف·· فالقرار الإداري عقوبة والحجز أكثر من اللازم عقوبة والنيابة وإن أخذت إذنها فهي سلطة اتهام وليست سلطة إدانة لأن الأخيرة من سلطات القضاء·· ودون حكم يبقى المتهم بريئا·· وفساد الوسيلة يلقى الحد أو الجريمة·

 

ملاحظة

 

في ملتقى صحافة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أجمع المحاضرون ومنهم رؤساء تحرير صحف أو قياديون فيها على أهمية الحرية الصحفية، وحرية الرأي، ولكن المفارقة أن معظمهم أفرد صفحات في جريدته لمقالات وأطروحات تحارب هذه الحرية وتسعى إلى وأدها·· فهل من باب الحرية قتل الحرية والدعوة إلى وأدها؟ فالحرية هي من الثوابت الإنسانية!!

�����
   

التعاون الكويتي الأمريكي:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
منتدى الوجاهة:
د.مصطفى عباس معرفي
عاصمة الثقافة:
يحيى الربيعان
مسألة تحرير المرأة!:
عامر ذياب التميمي
ياباني في اليونسكو:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
حرب التصفيات!:
سعاد المعجل
لا يصح إلا الصحيح:
مطر سعيد المطر
العالم ليس عقلاً:
دبي الحربي
رداً على صواريخ مصطفى الفقي نائب عمرو موسى!:
حميد المالكي
مجلس أعلى.. وآخر استشاري.. للتعليم!!:
فوزية أبل