| يعيدك زمن روايته بكل تجلياته الخيالية والواقعية إلى ماضٍ يتحرك بكل تناقضاته ومعاناته وأوجاعه وأفراحه وانفعالاته وعباداته إلى واقع الأجداد·· ويقحم أنفك ومشاعرك وأحاسيسك في رائحة وطعم ولون التراث الذي كان يتفاعل ويتحرك في عمق الحياة وسيرورة إنسانها الذي يشق طريقه عبر حركة أزمنة تراثية مختلفة في علاقاتها الاجتماعية من حياة أجداد الأجداد·· فشخوص الرواية هم بين شد وجذب واقعي وخيالي في علاقاتهم الاجتماعية وتأملاتهم الماورائية·· وماضيهم بمجمل تناقضات جذاذاته التراثية: ينحاز ويتشكل في الحنين والتأوّه لماضيه رغم نسبية جديد حركة الصراع من أجل العيش والتأمل والعبادة والدهشة والتفاعل!!
إن حضور أطياف الأزمنة الماضية بكل تناقضاتها وصراعاتها هو حضور يتشكل بهذا الشكل أو ذاك·· لأطياف الأزمنة الحاضرة - الماضية والماضية - الحاضرة ·· وإن هذا التداخل التراثي يشد شخوص الرواية بواقعها وخيالها في واقع وخيال رؤى ذاتية·· وعندما يتشكل مثل هذا التناسج المعقد في أزمنة تفاصيل الزمن الروائي والزمن الواقعي والخيالي في النص الروائي يصبح البناء الإبداعي الروائي خُبزا شهيا لذيذ الطعم والنكهة في ذائقة المتلقي!!
وقد اقحم الدكتور تركي الحمد بوعي وبلا وعي إبداعي سرده الروائي في نسيج تفاصيل وتداخل زمنه الروائي والواقعي والذاتي فأتت أهمية رواية "شرق الوادي - أسفار من أيام الانتظار" لتضع المتلقي في دهشة أوقيانوس أزمنة شخوصه الروائية المفعمة بنكهة الإنسان والأرض!!
وقد اتسمت روايته بجدل جريء بين القيم التراثية الفكرية والحضارية والثقافية الماضية بالنسبة لشخوص الرواية وبين ولادة التحولات الاجتماعية وخصائصها - بسلبها وإيجابها - التي دخلت في تناقض مع العلاقات الاجتماعية المنوطة بشخوص الرواية آنذاك وتتمحور الرواية في بطلها "جابر السدرة" المشدود بتأملاته ومفاهيمه وتخيلاته وهواجسه المحمومة في البحث عن شخصية تراثية خرافية·· تتوهج حميمية معاناة حضورها خيالا وأطيافا ورؤى وأحلاما لديه منذ الطفولة في "سميح الذاهل" الذي يأتي ولا يأتي·· حيث أصبح البحث عنه عند "جابر السدرة" ديدن تهدج أشبه بالقدسية·· يتسقط أخباره في اليقظة والنوم أينما حل وارتحل من قريته في القصيم "الخب" إلى الظهران ورأس تنورة ودمشق وعمان وفلسطين وبيروت وحتى أمريكا·· ويتمثل "سميح الذاهل" بملامح أسطورية في أقواله وإرشاداته وتعاليمه المقتضبة والغامضة والمتناقضة·· ذات المداليل التنبؤية والفلسفية يتراءى لدى "جابر السدرة" محاطاً بغرانيق بيضاء·· الأمر الذي يؤجج معاناة "جابر السدرة" في البحث عنه في ثنايا غيبوبة ميتافيزيقية·· رؤاه وصحو تأملاته··وكأنه يبحث عن "حقيقة" توهمات عُجنت بتراث علاقات ومفاهيم وتصورات تلاحق الإنسان كما يلاحقها في عمق حقيقة تصدع صبوتها·· للخلاص والانعتاق من مخزون الموروث التاريخي الذي يتشكل بغموضه وتناقضاته وأزماته النفسية والسلوكية في الحياة من الأزل!!
إن أسطورية طواحين "سميح الذاهل" وفلسفته الغامضة وظهوره المفاجىء واختفائه كأنها لا تضع بين يديك إلا أوهاما وغموضا ما ورائيا·· ولا تضيف إلى أوهام وغموض "جابر السدرة" إلا غموضا وأوهاما موروثة من موروثات أزمنة بائدة تطل بخزعبلاتها وأوهامها الماضوية على عالمنا الحديث في نبض إنسان عصر الكمبيوتر والانترنت·
إن موروث الأوهام النابتة في ذهنيه "جابر السدرة" منذ الطفولة يضعها الراوي في سرده "عبثا" صارخا في إعادة وعي الحاضر تجاه وعي الماضي·· وكأنه يريد أن يصدم وعي المتلقي بعبثية محاولات البعض حشو ذهنية الماضي الخرافية في ذهنية الحاضر العلمية·· كما هو حال محاولات قوى الظلام والعقول المتكلّسة·· لا يمكن قراءة الحاضر بذهنية الماضي·· وإن صح العكس·· فالماضي المندثر الذي عفا عليه الزمن وتوقف وعيه لا يمكن أن تتوافر لديه مصداقية الحيوية والموضوعية والعلمية والعقلانية في قراءة صادقة وموضوعية وعلمية للحاضر·· الماضي موت الحاضر·· كما أن الحاضر موت المستقبل!!
إن "جابر السدرة" المأخوذ بموروث "ماضي الماضي" في تأملاته الذهنية وارتباطه الوجداني والروحي بـ "سميح الذاهل" الذي تنتشر الغرانيق البيضاء حوله·· يرتطم بذهنية تقاليده وموروثاته الماضوية المأزومة في واقع الحياة وتفاعلات علائقها الاجتماعية وصيرورة تلاقحها في عمق التاريخ·· فهو شاهد عيان لوقائع حيّة لتوحيد أرض الجزيرة وصراعاتها الداخلية والخارجية وحروبها القبلية ومضامين شعاراتها وخلجات مواقفها ومناوراتها·· وختلها وغدرها وفروسيتها وشجاعتها وجبنها وانهزاميتها وكرّها وفرها·· ولم يكن مكتوف الأيدي أمام هذه التحولات الاجتماعية والتاريخية بل كان موقفه واضحا ومحددا مع الكفة التي اختارها وحارب بجانبها·
إلا أن عقيدته ومواقفه المحددة·· تستجلي صهد ترصداتها الذهنية في أوهام متضاربة تستقي غيث ذاكرتها الروحية والوجدانية في غيث ذاكرة ووجدانية "سميح الذاهل" الحاضر الغائب والظاهر والمختفي أبدا في روع ذاكرة "جابر السدرة" وتستعرض الرواية على السنة أزمنة شخوصها حياة الناس في تلك الفترة وطبيعة أماكنهم وملامحهم وصفاتهم وعاداتهم وأطعمتهم وطرائفهم وأمثلتهم الشعبية وقصائدهم المعبرة عن أوضاعهم وحروبهم·· وذائقتهم الاجتماعية ودور الخرافة في تلافيف ذهنيتهم وقيمهم التراثية وتمسكهم بطقوس عباداتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم في مداخل ومخارج هموم الإنسان النجدي آنذاك·· والذي يصفه الراوي بالجلافة والقساوة امتدادا لقساوة وجلافة ظروف واقعه خلافا لطروف ومرونة ومدنية أناس الحجاز والظهران الذين يقبعون في ظروف جغرافية وتحولات اجتماعية في التجارة والزراعة وركوب البحر والأسفار والاحتكاك بالأطراف مما يزيل ويشذّب صفات الجلافة والقساوة عنهم·· إلا أن هذا النجدي الصحراوي المتشدد في تقاليده وعاداته وعقيدته ممثلا في "جابر السدرة" تتنكس لديه هذه المفاهيم والتقاليد·· وينحسر شيئا فشيئا منغمرا في علاقة غرامية مع سيدة أمريكية متزوجة ويتجرع "المارتيني" بنشوه فاسق على فراشها·· وهو يدخل في علاقة وجدانية وجنسية ترتطم بموروث التقاليد والأخلاق والعقيدة التي تؤرق وتمزق حشاشته عندما يعود لذاته ويفرغ متأملا في وحدته حتى أصبح يعيش انفصامية واقع مادي وروحي مؤرق··
وقد يجد مبررا لذلك وعزاء فيما يخفف من معاناته لأن "سميح الذاهل" لم ينهه عن ذلك لا خيالا ولا حلما ولا رؤى ولا إيحاءً·· فيما آلت إليه نفسه ·· وأشرقت روحه في خزي آثامه!!
وتفرد الرواية على لسان أحد شخوصها أبو عثمان: عبد العزيز بن عثمان السابح·· وهو يحتسي القهوة ويمضغ التمر المغموس بالزبدة·· ويقول "الجلسة ما تجوز بليا نار حتى وأنت بعز القايله" ثم مخاطبا "جابر السدرة" تسألني عن "سميح الذاهل" "قصة طويلة وحكاية عجيبة وعائلة غريبة لو كانت في مصر والشام لحكاها الحكواتي في المقاهي" وتأخذ الرواية حيزا واسعا من الاسترسال على لسان "أبو عثمان" حول الخلافات العائلية والقبلية والانقسامات بين مؤيد ومعارض إبان ظهور دعوة عبد الوهاب··والتراشق بأشعار حميدان الشويعر وعن مواقع المذابحات والحروب القبلية والعائلية مثل ذبحة ابن عدوان ووقعه "المطر" بين بريدة وعنيزة·· وذبحة "مهنا الصالح أبا الخيل" مرورا بوقعه "جراب" بين ابن رشيد وابن سعود·· وذكر بعض أبيات من قصيدة "العوني" المشهورة "الخلوج" الذي مات في السجن جراء أشعاره إبان توحيد الجزيرة·· والمعارك بين ابن رشيد وابن سعود والهاشميين ويذكر مقولة ابن سعود عندما طلب منه ابن رشيد المبارزة وجها لوجه قال "الميت لا ينازل الحي"·· وإلى سنوات القحط والمجاعة والمحل حيث "لافقع ولا ربلة ولا عذاليق" وهي نباتات برية تنبت أيام الأمطار ويأكلها الناس·· وتتخلل الرواية الكثير من اللهجة النجدية والتي قد لا يدرك معناها ابن المنطقة الشرقية·· ناهيك عن مواطني البلدان العربية ويأتي تشكل لغز "سميح الذاهل" الذي هو محور الرواية في نفس "جابر السدرة" منذ الطفولة "كمنقذ" عندما سقط أحد الأولاد في القليب وأخذ يصرخ·· يومها خلع "سميح الذاهل" ثوبه وبقي في سروال أبيض ناصع - كما يقول راوي الرواية - وقد انتشر شعره على كتفه وقفز دون مقدمات في القليب وما هي إلا لحظات حتى كان صاعدا من أعماق القليب وكأنه يرتقي درجا غير مرئي وهو يحمل على كتفه ولداً مغمى عليه وضعه بجانب الحائط ثم نظر إلى "جابر السدرة" وهو يبتسم!! ويذكر الراوي أنه عندما مر "سميح الذاهل" على قوم يشوون الطيور ويأكلونها قال: "بئس حياة لا تؤكل إلا بأكل الحياة" وقوم يذبحون قعودا ويأكلون لحمه فقال: "لو لم يكن قعودا لما ذبحتموه" وهم يتندرون على أقواله ويصفونه بالمهبول وعندما ضاقت سبل العيش بـ "جابر السدرة" قصة الظهران حيث استخراج النفط وكان يردد: "كلب تعسعس ولا كلب ربض" وكان أجر العامل اليومي لدى الأمريكان ثلاثة ريالات ·· وقد تشكلت آنذاك حيث إنتاج النفط في شركة الزيت حياة جديدة ضمن علاقات إنتاج جديدة وأوضاع تختلف عن أوضاع نجد وطقوسها وعاداتها الاجتماعية وتشدد رموزها·· حيث العمل والعرق والجهد المسكوب في ساعات عمل طويلة وفي تباين العلائق وتصادم الوعي·· وقد صدم "جابر السدرة" في وعيه ويده تقع على كتابات تطالب بتحسين أوضاع العمال وتدعو إلى الالتفاف من أجل تحسين أوضاع أفضل·· وراحت الالتفاتات المطلبية للعمل تأخذ أشكال تجمعات ومظاهرات واحتجاجات واضطرابات، وكان "جابر السدرة" في حيرة من أمر ما حوله وكأنه ينتظر برقية روحية من "سميح الذاهل"·· ويأتي سميح كطيف ضوء نوراني·· يضع "جابر السدرة" أكثر وضوحا في موقفه·· وهو يناجيه·· قائلا: " لايهمني المكان بقدر ما يهمني الإنسان" و"الورع هو أن تكون مع الإنسان" و"القداسة للإنسان وليس للمكان" و" وصنع البيت للناس ولم يوضع الناس للبيت·· حيث يكون الإنسان أكون أنا·· ولكن أين الإنسان؟" ويخاطب "جابر السدرة" - مذهولا - نفسه أيكون "سميح الذاهل" عاملا معهم في شركة النفط وهو لا يدري؟ ربما ولكن أين يكون في الشبك أم في المنيرة أم في السعودي كامب؟
لا يمكن أن يكون سميح في الشبك أو هو المنيرة، فلا بد أن يكون في السعودي كامب إن كان موجودا·
وأصبح همه في الأيام التالية التفرس في وجوه العمال ساعة انطلاق الصافرة صباحا وساعة انطلاقها عند المساء وكلما واتته الفرصة للبحث في قاطني الحجرات الضيقة الرطبة في الكامب ولكنه غير موجود رغم تأكده من وجوده في الظهران فقد رآه في الظهران·
وتبدو الرواية في مضامين أزمنة تحليلاتها الخيالية والواقعية وتحولاتها الاجتماعية لحركة الناس ضمن حركة التاريخ·· وحركة التاريخ ضمن حركة الناس على لسان شخوصها تتمثل في الخيال ليعكس هاجس الواقع وحوافز متغيراته في حركة رموزه ممثلا في بطل الرواية "جابر السدرة" المشدود بحثا في أسفاره التي طال انتظاره في طيف الخلاص ·· طيف "سميح الذاهل" ويأتي إصرار الأمل والتوثب في مواصلة البحث في وصية - الأبناء والأحفاد في مواكبة البحث وإن طال السفر من أيام الانتظار·· فلابد من "سميح الذاهل"! |