| منذ الخمسينيات·· ارتكز اسمه في ذاكرتي··· وأصبح توهجه الإبداعي يأخذ مني كلما عانقت الجميل والإنساني من مفرداته الأدبية وقصائده الشعرية!!
وعندما التقيته في السبعينيات·· تجاذبت أفكارنا·· والتحمت مشاعرنا·· وتذاوبت هواجسنا الإنسانية·· واستوينا لقمة سائغة بين "تروس" طواحين الثقافة العربية!!
ها هو بعد ربع قرن يخرج برسالته إليّ من أعماق حريق حصار البؤس والجوع·· كطائر النار وهو يناهز السبعين من العمر وكله حيوية وحب وصدق ووفاء مشويا بنار ونور الثقافة العربية·· رغم عمر مديد من معاناة الحياة وجهادية النفس وتصدع الثقافة· "أن يذكرك إنسان بعد ربع قرن·· وبهذا الشكل الرائع·· مسألة لا تصدر إلا عن الأصالة·· والأوفياء الحقيقيين· حروفك الجميلة في الجريدة والرسالة حركت مشاعري بشكل لا يصدق· عرف عني الصبر على المواجع·· ولكن دموعي انهمرت وأنا اقرأ رسالتك الجميلة الوفية الرائعة" هكذا أتت رسالته حميمية تشن إنسانيته المتوقدة·· أعرف أنه مرهف عذب رقيق شفاف·· توشك أن تلمس الموسيقى بين أحاسيسه ومشاعره· ولكنه صبور عنيد متمرس القلب على الصدعات والصدمات· إنه يحمل نقيضه في كل شيء من أجل الإنسانية!!
قصير القامة مملوء البنية·· مشعر الصدر والمنكبين·· بشرته وردية·· وعيونه فراتية اللون وله شارب أشقر كث·· ينحني تحت أرنبة أنف مستطيل· شفتاه تفتران عن ابتسامة حزينة ساخرة·· كأنها تستضمر قادم شقاء بؤس أهل العراق!!
الحزن والفرح والسخرية والجد·· والتشاؤم والأمل والإحباط والسقوط والنهوض والعدم والحياة والطموح والتوثب جميعها مفردات تأخذ تألقها في عقد جميل قلائد قصائد شاعرنا "ألفريد سمعان" إذ يقوم بتوظيفها باقتدار وإبداع من أجل الإنسان والوطن·
هكذا تتفجر قيثارة "أبو شروق" وعدا ًللعودة الى الربيع ومنابع المياه·· وانتصارا على الرحيل والأدبار عن بهجة الحياة!!
والإنسانُ··· يبقى
راية للعدل
ثغراً للتراتيل
هديراً
للمروءات
وأضواء فنار
* * *
سافر الحزنُ على الأهداب
وامتدت الى
سفن الورد··· التباريحُ
فما عاد يضوع
* * *
قسماً
يبقى حنيني
يا حبيبي
مثلما كان
انتظارا للنهارات
وبستان أغاريدٍ
وباقات انتصار
لقد اهتز الرجاء في وجدان الأمة·· وتشوه المعنى الحقيقي للثقافة وساد سلطان الصمت·· وافلتت النجوم··· وزحف الظلام·· واستشهدت الفضيلة·· وعربدت الرذيلة·· وهيمنت انكشارية القبيلة الحاكمة·· وداست جلاوزتها على القيم الثقافية والفكرية·· وتمددت القوافي على توابيت الشعر تنزف أوجاعها وآلامها!!
هناك
يغيب شجى القبرات
ويغتسل الطين بالأدمع الصاخبة
ويفترش الصمت··· أصداءه
فلا شيء يومض
لا شيء يهمس
لا شيء ينتظر
الغرباء
ولا شيء يحصده
الصامتون
لقد افترش العراق بشماله ووسطه وجنوبه الجوع والأملاق·· وأغرقت أمواج الرعب حاضرته وباديته·· وطحلب الاذلال في صميمه·· وجرفته القهقرى الى الخلف آلاف الأعوام!!
أجل
إن سيلا من الجوع
والرعب يجتاح صوت المدينة
وإن هدير الجراحات
يلطم أقسى الوجوه·· امتعاضا
وكل جريح يناجي شجونه
تموت الرؤى
إن هذا الجفاف رداء الشرور
وهذي الربى
غادرتها أواني الزهور
توابيت مرت
وسوف تمر
بدون دموع
مجد القصيدة ألا تذل·· ومجد الشاعر ألا يذل قوافيه!! فالقوافي هي روح الشعر وعندهم رحيقه· فإذا أذلها الشاعر أذل نفسه وشوه مذاق نشوة السحر فيها!! وأخل بموازين تكوينات صيرورتها الذهنية والروحية·
لقد حافظ ألفريد سمعان عبر سيرورة مساراته الثقافية والإبداعية التي تمتد منذ الأربعينيات على تماسك ذهني وروحي وفاء للحرف والكلمة والوطن·· وأعطى ما استطاع أن يقدمه للإنسانية·· متجشما مصاعب الحياة ومعاناتها وحصاراتها التي تطبق على العراق وهو يحتضن بقلبه وقوافيه مجد الشعر والوطن في عراق الرافدين المغدور به!! |