| لم يكن يدور في خلد أحد أن تتمادى قوى "تكفير وتجهيل" المجتمع في تحديها خلال فترة وجيزة الى الدرجة التي تجرأت فيها على إقامة سلطة لها داخل الدولة تشرع الأخلاقيات والسلوك على المستوى العام والشخصي وتأخذ على عاتقها إصدار الأحكام وتنفيذها· لكن ما نراه اليوم ليس وليد الساعة ولا رد فعل مباغتاً لمن يتابع الأحداث ويتعقب نتائجها الوخيمة، بل إن ما اكتشفناه حتى الآن قد لا يعد شيئا مقارنة بما لم يكتشف بعد أو بما حفظ من قضايا وملفات بهدف عدم ترويع المجتمع من ناحية وعلى أمل أن يكون الحلم سيد الموقف في إعادة الصواب الى المخبولين· لكن يبدو أن التراخي تجاه إفرازات غسيل دماغ الشباب منذ السبعينيات قوى شوكة دعاة "جاهلية" المجتمع والمنادين بتكفيره، وبخاصة أن امتداد فكرهم المغلق عالمي الجذور والأصول يمتد على أفق العالم الإسلامي ويتمتع بحرية العمل في المجتمعات الغربية تحت لواء ديمقراطياتها "الكافرة" في نظرهم· ومن زاوية تاريخية بحتة فإن غلاة اليوم ومتطرفيها هم امتداد لأفكار الخوارج التي نبتت قرونها خلال فترات الفتنة الكبرى·
لكن الأنكى من موضوع الحوادث الأخيرة والأدهى منها أن رموز الإسلام السياسي من أعضاء مجلس الأمة وضعوا جل جهدهم وصبوا كل اهتمامهم على محاولات تبرئة تياراتهم من هذه الحوادث من ناحية والتشكيك في وقوعها أصلا من ناحية أخرى· لسنا نتهم أي فرد بعينه، ولسنا نملك أدلة ضد أو مع أي فريق، لكن لا يعقل ألاّ تكون هذه الحركات خالية المسؤولية الأدبية عن تنامي مفاهيم الغلو والتعصب في المجتمع، ومن هذا المنطلق فإن الأمانة في حمل المسؤولية تفرض عليها إعادة النظر في سبل الدعوة والوعظ وطرق التوجيه والإرشاد، وبخاصة أنهم يتعاملون مع شباب غض متحمس تتناهبه أمواج القلق وتتقاذفه عواصف عدم الاستقرار النفسي والذهني· تيارات الإسلام السياسي مدعوة اليوم أكثر من غيرها للتصدي لظاهرة التطرف والغلو، وإلا فإن جيلا من الخوارج قد يولد من تحت عباءتها حتى وإن لم تكن نية سياسيي هذه التيارات في هذا الاتجاه بل إن جيل الغلو والتطرف قد "يكفر ويجهل" قيادات الإسلام السياسي يعد أن يصيبه الإحباط من حدوث تغيير حلم به وبشر به من هذه القيادات·
خلاصة القول إن المسؤولية الجنائية سيتحمل تبعاتها من يثبت القضاء إدانته في محاكمة عادلة تتوافر فيها ضمانات حفظ حقوق الأطراف كلها، لكن من سيتحمل تبعات المسؤولية الأدبية في "تفريخ" نِوى التطرف؟؟ |