| من المؤسف حقاً أن المجتمع العربي ـ الإسلامي بجميع فئاته وتوجهاته ما زال إلى اليوم مستغرقا في نوم قد تطلعت على أثره حواسه ومداركه، إذ إننا لو استقرأنا المفاهيم والرؤى والفلسفات وطبيعة أنماط التفكير، وأسلوب إدارة الأشياء والأشخاص لوجدنا أن هذه المفاهيم والبواعث منبعثة من أعمق أعماق التاريخ، إن الذي يجعلنا اليوم في ذيل الحضارة المعاصرة، هو طبيعة المفاهيم التي تحكم تفكيرنا وتهيمن على مجمل سلوكنا، فالماضي هو الذي يتحكم في المستقبل، والظن هو الذي يتحكم باليقين، والأموات هم الذين يتحكمون بالاحياء، وهذه وللحق آفاقنا الكبرى، إننا اليوم بمسيس الحاجة إلى فهم روح العصر وحقائقه والإفادة من تجارب التاريخ ليتهيىء لنا النهوض من كبوتنا، ولا نريد مما تقدم التنكر لحضارتنا وتاريخنا بما تشتمل عليه من أمجاد وفتوحات علمية وفكرية، وما أرساه السلف من عطاء حضاري وعلمي ضخم، غير أن البداهة تقتضي أن اليوم غير الأمس، وأن إنسان اليوم غير إنسان الأمس، وأن كل ما يحيط الإنسان من أمور مادية ومعنوية هي دوما في أطوار التغير والتطور فكل المفاهيم أيا كانت هذه المفاهيم هي في تطور مطرد، خذ مثلا مفاهيم: الحرية والإنسان والديمقراطية فلو رجعنا إلى الحرية في العصور الغابرة لوجدنا أنها كانت بإزاء الرّق، أما اليوم فغدت الحرية ذات ألوان ووجوه، فهنالك الحرية الفردية والحرية الاقتصادية والحرية السياسية، فأين هذه الحرية من تلك، وكذلك الأمر من الديمقراطية فلو استعرضنا نمط الديمقراطية السائدة عند مخترعيها وهم الاغريق قبل نحو عشرين قرناً لوجدناها ديمقراطية ناقصة ومشوهة ذلك أنها كانت حكرا على بعض الفئات والطبقات وقد حرمت منها فئات أخرى كالعبيد وأصحاب الحرف اليدوية والنساء فضلا على أنها كانت ديمقراطية مباشرة وذلك لأنها كانت تمارس في إطار الدولة - المدينة أما اليوم فأصبحت الديمقراطية قيماً، ومؤسسات وأعراف، وممارسات وفلسفات تحكمها، اليوم ليس هنالك ديمقراطية تقرب فئة وتعزل أخرى، وليس هنالك ديمقراطية لا تعترف بالمرأة وحقوقها، فأين مفهوم الديمقراطية بالأمس منه اليوم؟! وكذلك الأمر بالإنسان، فقد كان الأقدمون يرون الإنسان من جهات وحيثيات ليست هي السائدة اليوم، ولعل هذا السبب جعل الفلاسفة يختلفون في تحديد دور الإنسان ورسم وظائفه، وأيا كان الأمر فإن المفاهيم وسائر الأشياء هي في تطور دائم وتغير مستمر، فلا يصح، والحالة هذه أن تحكمنا مفاهيم ثابتة قديمة لمجتمعات قديمة، ذلك أن الأقدمين استنبطوا قواعدهم ومبادئهم من مجتمعاتهم· نخلص مما تقدم أننا إذا أردنا أن نواكب العصر ونصبح في عداد الدول المتقدمة علينا ألاّ نأخذ من تاريخنا وتراثنا سوى الجوانب التي تكرس قيم العقلانية والعدل والتقدم وما إلى ذاك ويجدر بنا في هذا السياق أن ننبه إلى أنه لاتقدم ولا إزدهار ولا تطور إلا بعد أن ننأى ببعض القيم عن الزج بها في المناورات السياسة وألاعيبها كالدين والتعليم والتربية· |