| الدهشة.. لا الحزن.. هي من سيطر على مشاعري..
عندما علمت بوفاة عبد العزيز خنقتني الدهشة·· وجفت الدمعة··
علي هذا الرجل النحيل·· المقطع الأوصال·· المتقد الذهن والفكر··
صارع الموت طيلة ربع قرن من الزمان·· فكيف قرر فجأة عقد صلح وموعد مع الموت؟
لابد أن هنالك سببا ما·· سره هو سر الحياة في موت عبدالعزيز···
صراع الفكر مع الموت كانت حياة عبدالعزيز·
كان يحارب الموت ويغرس التفاؤل ويعزف الوعي على امتداد العمر···
يحارب الموت في نفسه·· وفي الآخرين·· والأشياء:
- في المياه، يشق لهل مجرى، بخبرة الفلاح·
- في الشعر·· يفعله ليحدد معالم خارطة الوعي·· يلحنه فيوقظ النائمين الغافلين عن سر الحياة··
- في الرسم·· يشكله قوسا ونشابا·· ولمسة حانية·· وشعراً ثائراً لامرأة جميلة·· يظلل الصحاري·· والوهاد والتلال في شبه الجزيرة العربية·
- في القصة·· يروي ملامح الإنسان·· وأسفاره وتداعيات التساؤل والموقف والابتذال "والموت على الماء"·· وفي الماء الحياة·
- في العلم·· يمزجه بروحانية الإنسانيات·· وطراوة الفن·· والنغم·
- في الطب·· الذي كان مكتوف الأيدي وهو يراقب تهاوي أعضاء عبدالعزيز وخلاياه في المعركة مع الموت·· يتغلب عبدالعزيز·· على يأس الطب·· بإرادته الآسرة فيبقى·· يبث روحه النابضة بالحياة والخير· يفك أسر الماسورين·· يحلحل عقد الموروث ·· يمهد الطريق للحاضر والمستقبل· القلم·· الريشة·· الكاسيت·· الإرادة الحرة كانت زوادة عبدالعزيز·· أمام أسلحة الفتك في حياتنا·· ويتغلب عبدالعزيز عليها جميعا·· قائمة الأمراض·· وفيروساتها ·· التي تحاصره من كل حدب وصوب·· لم يبق منه شبر إلا وفيه طعنه·· وحدة ذهنه لم تفقد التوازن·· وقلبه كان "الوسمية"·· والديمة التي لا تتوقف· عتبي عليك يا عبد العزيز ·· أنك لم تعلن قبل الآخرين·· بأنك قررت أن تغرس نفسك في الأرض الطيبة وتترك للطائفين على سطحها همس الحياة وضجيجها وأنت الذي أثبت لهم بالدليل القاطع أن الإنسان لا يحتاج إلى هذا الكم الهائل من الأعضاء والخلايا·· والدولارات·· ليكون إنسانا·· متجدد العطاء·· وليكون محاربا·· متجدد الابتكار·· عندما عدنا الراحل أمل دنقل·· كان يرمق الزهور·· وهي تتمنى له الشفاء فيصرخ بها أن "لا تصالح"·· وأن لا تسلم عنقها لقاطفيها فمات دفاعا عن "لائه" تلك··· لم يقبل دعوات الزهور بالشفاء وهي تجود بأنفاسها الأخيرة·· فمات دفاعا عن الزهور·· فيتحول قبره حديقة فل وورود للعاشقين··
مثلما أمل·· كنت أملا يا عبدالعزيز للزهور، تصرخ لأجلها "الزهور تبحث عن آنية" تحفظها وتمنحها الحياة"··
فالحياة منك·· وإليك مجدها وحصادها يا عبدالعزيز المشريü··
شكرا لك وفيت بالوعد قاومت 15 عاما "مكاشفات السيف والوردة" وبوح السنابل" لتعلن بموتك أيْقظتَنا من التثاؤب في النافذة·· والسؤال عن "أحوال الديار" فالزهور أوجدت لها الآنية الـ"صالحة" وأريجها عم الأرض التي احتضنتك أخيرا بعدما إحتضنتها طويلا "في عشق حتى" "الغيوم ومنابت الشجر" ·· "وريح الكادي" فطوبي للوسمية تلك التي سوف تسقي ثري عبدالعزيز المشري ·· الميلاد الجديد·
* عبدالعزيز المشري ، قاص وروائي سعودي له "موت على الماء" "والزهور تبحث عن انيه"، "وفي عشق حتى" ، "والوسمية" و"صالحة" و"أحوال الديار" ، "وريح الكادي"، و"أسفار السروي"، و"الحصون" و"مكاشفات السيف والوردة" و"جاردينيا تتثاءب في النافذة" كما كان عازف عود وفناناً تشكيلياً وشاعر، إلا أنه اشتهر بالقصة والرواية·· وقد ابتلى بالكثير من الأمراض بتعدد مواهبه·· |