| كلما كبرت الأحلام زادت المعاناة في تجسيدها واقعاً، وكلما سما الإنسان بعطائه للآخرين كان وقع غيابه عن الساحة أعمق أثراً، وكلما تصلب الفرد في مبادئه رافضاً التنازل عنها، حتى في أحلك الظروف أضحت سبله في التنعم بالحياة ومباهجها أكثر وعورة· المؤمن بالمبدأ في عالم اليوم مثله مثل حامل جمرة حامية بين يديه، فمغريات الحياة تحوط به تدعوه للتنازل والرضوخ لأمر الحكم الواقع، ومنغصاتها تطوقه تحاول إرهاب فؤاده وثنيه عن المضي قدماً في السبيل الذي اختطه لنفسه· هكذا كان فارس الديمقراطية، وهكذا بقي مؤمناً بتضحياته في سبيلها، لم تغره المناصب التي فرشت تحت قدميه تمنيه بالمال والجاه وتعده بالسطوة والصولجان، ولم تثنه سيول الترهيب، تهدده بالنبذ والحجر وتتوعده بالويل والثبور· آمناً مضى في دربه يتخذ من حب الناس له مرتكزاً ومن عشقه لأرض الكويت مستنداً ومن يقينه بحق أجيال المستقبل معولاً، قرير العين مضى يعلم أن الرسل تموت لكن الرسالات تبقى، تقي الضمير مضى مستيقناً أن الزبد يطفو لفترة لكن مآله أن يتفتت أما ما ينفع الناس فيبقى في الأرض شاهداً·
وعلى الرغم من مضي ما يقارب الشهر على رحيله، فإنه مازال بيننا ومازال حضوره ماثلاً أمام أعيننا، حتى يوم أن غص ديوانه بأحبائه كانت روحه مسيطرة على الجو، لدرجة أن مكان جلسته بقي شاغراً يخيل لكل من في الديوان أن غيابه لن يدوم وأن صوته الهادئ سوف ينساب بعد برهة· شهر مضى على غيابه، لكن أحباءه حتى الآن يعيشون لوعة فراقه، يفتقدون فيه الأخ الحاني والإنسان العطوف والعقل المدبر· شهر مضى على رحيله والسؤال يدور في أذهان من عايشوه حول إمكانية شغل هذا الفراغ الكبير الذي تركه·
سامي المنيس لم يكن نائباً في مجلس الأمة فحسب ولم يكن ناشطاً على الساحة العامة فقط ولم يكن رجل سياسة من الطراز الأول فقط، سامي المنيس كان من كوكبة جيل آمن بالوطن ومصلحة المواطنين، فوهب حياته كلها لرقيه وكرس جهوده كلها لمصلحته· لم تلهه المغريات الكثيرة من حوله ولم ترهبه التهديدات المتواصلة على حياته، فاستحق عن جدارة حب مواطنيه واحترام من اختلفوا معه في الرأي· كان يمكن لأبي أحمد أن يجمع الثروة الطائلة ويتنعم بالعيش الرغيد ويتصدر عناوين المجتمع المخملي، وكان يمكن لأبي أحمد أن يجنب قلبه هموم غيره ويبعده عن معاناة وطنه، لكن سامي كان ينظر إلى أفق المستقبل ويرنو إلى وطن آمن تعيش فيه أجيال المستقبل في حرية وتنعم فيه بالمساواة وتتنعم فيه بالكرامة·
أبا أحمد مضيت راضياً ورحلت مرضياً، فالسلام عليك يوم ولدت ويوم توفاك الله ويوم تُبعث حياً· |