|
بُعيد اندحار الاستعمار الفرنسي في الستينيات، قررت الحكومة الجزائرية إرسال رمز الثورة جميلة بوحريد الى عدد من الأقطار العربية لتقديم الشكر باسم الشعب الجزائري إلى شعوب هذه الدول وحكوماتها· وكانت الكويت على رأس قائمة هذه الدول نظرا لاحتضان الشعب الكويتي وحكومته ودعمهما غير المحدود "القضية الجزائرية، ووضعت مدرسة ثانوية الشويخ ضمن برنامج زيارة السيدة بوحريد· بشكل عفوي تجمع طلاب الثانوية لاستقبال رمز الثورة الجزائري واصطفوا على جانبي الطريق بدءا من الدوار خارج أسوار المدرسة وحتى موقع المسرح، حيث كان مخططا أن تلقي السيدة بوحريد خطاب شكر الشعب الجزائري· لكن شرطيا متواجداً حينها في المنطقة أساء قراءة الموقف بشكل كبير، فتوهم أن الطلبة خرجوا في مظاهرة عصيان وتمرد على الحكومة والدولة فاتصل بمسؤوليه ينقل لهم الصورة حسب رؤيته، وفي الوقت نفسه أخذ يتجول بدراجته النارية بين صفوف الطلبة محاولا تفريقهم· حاول بعض الطلبة إفهام الشرطي بأن تجمعهم ليس إلا ترحيبا بممثلة الشعب الجزائري، بيد أن الشرطي أصم أذنه وتعالى صراخه بالويل والثبور لمن لا يمتثل لأوامره، حينها انفلت عقال الموقف وقام بعض الطلبة بجر الشرطي من دراجته النارية التي أضرمت فيها النار، وخلال فترة قصيرة وصلت قوات الشرطة بعصيها وهراوتها وحدثت مواجهة دموية بين الطرفين جرح فيها العشرات من الطلبة والشرطة·
يوم المواجهة كان السيد سليمان المطوع ناظر ثانوية الشويخ والذي وقف درعا أمام الشرطة مدافعا عن سلامة طلبته، وشاركه في هذه المهمة الأساتذة جمعة ياسين ومحمد الطحاوي ونجم النجم، وبعد انحسار غمام المواجهة أصبح الهم الأكبر لهذه المجموعة من الأساتذة رعاية المصابين وتنظيف ساحة المعركة من الحجارة والزجاج المتناثر، وفي الوقت نفسه اتصل ناظر المدرسة بالمسؤولين في التربية والأمن العام، وعلى إثر هذه الاتصالات اعترفت الشرطة بخطئها في تقدير الموقف واعتذرت عن تصرفها، كما شهد اليوم التالي للمواجهة لقاءً طلابيا مع المرحوم الشيخ عبدالله الجابر، الذي قام بمبادرة أبوية غير مسبوقة بالاعتذار لأبنائه الطلبة فهدأت المشاعر واطمأنت النفوس ليعود الطلبة الى مقاعد دراستهم·
هذا الحادث نتذكره اليوم ونتذكر أبطاله بعد أن داهم رجال أمن الدولة الحرم الجامعي وألقوا القبض على بعض الطلبة بدعوى التحقيق معهم فيما نسب إليهم من هجوم على الحكومة· والمفارقة اليوم أن الجموع الطلابية ممثلة باتحادها وقوائمها المختلفة لم تحرك ساكنا حتى الآن وكأنما الأمر لا يعنيها· والمفارقة الأخرى أن جمعية أعضاء التدريس لم تتحرك من جانبها للدفاع عن أبنائها والدفاع عن حرية التعبير في الحرم الجامعي وحرمة هذا الحرم· علاوة على ذلك فإن المفارقة الكبرى في الموضوع أننا لم نسمع بعد همس جمعية المحامين والتي يفترض فيها أن تكون سباقة في الدفاع عن المبادئ الدستورية وحقوق المواطنة ومن أهمها عدم التحقيق مع أي فرد دون وجود محامين يمثلونه ويحمونه ويصونون كرامته الإنسانية· كما أن الصحافة من جانبها مقصرة بعدم إثارتها للحدث بمستوى يليق بدولة الحريات والمؤسسات والقوانين· إن الجسم الطلابي هو عماد مجتمع الغد علينا أن نزرع فيه مثل المجتمع الديمقراطي الحر الذي نصبو إليه وهو القوة الدافعة المحركة لتحقيق عذب أحلام المستقبل وتجسيد آمالنا فيه وهو سنابل بذرة الخير في مجتمع الغد، ومن منطلق الخوف على مستقبلنا نصرخ في آذان الجميع بتبني قضية الحريات العامة في هذا الوسط· |