|
الفتور الذي ساد انتخابات لجان مجلس الأمة في دور الانعقاد الجديد ظاهرة جديدة لم تألفها الأدوار التشريعية السابقة والتي كان فيها الصراع محموماً على عضوية هذه اللجان وبخاصة اللجنة التشريعية، والتي تعتبر المطبخ المركزي لعمل مجلس الأمة· ففي أدوار الانعقاد السابقة كانت الصفقات السياسية هي سمة أيام ما قبل انتخاب اللجان، وكان التحرك النيابي في إطار التيارات السياسية والتحرك الحكومي في أوجههما، سعياً لعضوية هذه اللجان· بينما خلت الساحة السياسية هذه المرة من مظاهر المنافسة الصحية المألوفة وجدبت الجلسة الافتتاحية من مظاهر قوى الضغط للتيارات السياسية والحكومة على حد سواء، الظاهرة الجديدة يمكن أن نعزوها إلى عدد من العوامل، يتمثل أولها في انشغال أعضاء مجلس الأمة بتوفير الخدمات الشخصية لناخبيهم، مما عطل جلسات اللجان خلال دور الانعقاد الماضي، ولعل هذا هو ما دفع رئىس المجلس إلى الطلب من اللجان مضاعفة الجهد والعمل· ومن هذا المنظور يبدو أن مجلس الأمة الحالي تحول إلى مجلس خدمات شخصية ومكتب لمعاملات الناخبين، ليفقد بذلك دوره التشريعي ويتحرج الأعضاء في ممارسة دورهم الرقابي، فهم بأمس الحاجة إلى توقيع الوزراء على معاملات ناخبيهم، وثمن ذلك دون ريب تخليهم عن دورهم الرقابي· من ناحية ثانية تميز دور الانعقاد الماضي، وبشكل ملفت للنظر، بعدم اتفاق أعضاء اللجان على التقارير ولنكتشف عند التصويت انقسام أعضاء اللجنة على التقرير ورفضه من قبلهم أو تعديل توصياته بشكل جذري· هذا الوضع جعل الكثير من الأعضاء يفقد الثقة بدور هذه اللجان واعتبارها مضيعة لوقته الثمين وهدراً لجهوده القيمة، فنأى الأعضاء بأنفسهم عن الدخول في معترك المنافسة على عضويتها مدخرين جهدهم ووقتهم لما هو أهم وأكثر فائدة·
ظاهرة العزوف عن المشاركة في لجان مجلس الأمة تذكرنا بالقصة المشهورة عن سعد زغلول الذي يئس من إصلاح الأمور بسبب تدخلات القصر، فما كان منه إلا أن تمدد على الفراش وطلب من صفية زوجته أن تلحفه· ويبدو أن أعضاء مجلس الأمة وصلوا إلى مرحلة اليأس من إمكانية إحداث أي فارق، سواء شاركوا في هذه اللجان أم ابتعدوا عنها، بل أتصور أن البعض قد وصل إلى مرحلة اليقين من عدم وجود مقومات إصلاح أمور البلاد إلى درجة الكفر بالنظام البرلماني بأكمله· ولعل هذا هو بيت قصيد تهميش دور مجلس الأمة وتهميش فاعلية لجانه وتسطيح المناقشات في جلساته العلنية وتأزيم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وسواء أكان سبب التأزيم الحكومة أم بعض الأعضاء من مجلس الأمة، المهم في الأمر أن نصل إلى مرحلة نعيد فيها صدى سعد زغلول "غطيني يا صفية··· مافيش فايدة"·· |