| الغضبة المضرية للقوى السياسية في بيانها الأخير حول مجريات الانتخابات التكميلية في الدائرة العاشرة ليس لها ما يبررها ولا معنى لصدى السيوف التي انبرت بعد النتائج· فالانتخابات جرت إجرائياً في جو صاف لا تحفه الغيوم وفوز جمال العمر هو اختيار ما يزيد على ثمانمئة فرد من ساكني مناطق السرة والجابرية والعديلية وجاء بناء علي تصويت حقيقي مكشوف وفرز علني واضح· وبالتالي، وبحسب مواد الدستور، لابد للمرشحين الآخرين قبول هذه النتيجة مهما كان وقعها أليماً على المرشحين أو على مؤيديهم، ومنهم كاتب هذه السطور، بل إن تصريحات المرشحين قاطبة يوم الاقتراع كانت في مجملها تشيد بالعملية الانتخابية وتشيد بالجو الديمقراطي الذي ساد الحملة برمتها· البيان العرمرمي ركز على ظاهرة شراء الأصوات، ورغم عدم نفينا وقوع هذه الظاهرة سواء في الانتخابات التكميلية الأخيرة أو في الانتخابات العامة فإن إثبات الأمر يحتاج إلى دليل مادي يمكن الركون إليه ويمكن تجريم المشارك فيه حسب نصوص قانونية واضحة· علاوة على ذلك فإن جريمة شراء الصوت تحتاج، مثلما بقية الجرائم، إلى طرفين، البائع والمشتري، والبائع لا يقل وزره عن وزر المشتري إن لم يفقه· ومعنى ذلك أن عدداً كبيراً من أهالي الدائرة العاشرة استبدلوا ضمائرهم بالمال الحرام وارتضوا بيع ذممهم مقابل حفنة من الدنانير، وإزاء مثل هذا الوضع المأساوي لا يمكن للقوى السياسة أو أي فردٍ آخر منع هؤلاء من تكرار البيع·
البيان الرباعي التوقيع يحمّل وزارة الداخلية المسؤولية المباشرة عما تراه حدث في الدائرة، لكن لا أعتقد أن أحداً منا يريد لجهاز الأمن الداخلي أن يتدخل في شؤون حياتنا الخاصة دون سند قانوني واضح ودون بينة جلية أو على أقل تقدير دون وجود شكوى رسمية من شخص ما· شراء الذمم موجود في جميع الانتخابات وعلى أكثر من صعيد وقد أسهب عدد من الكتاب في أشكال الرشوة الانتخابية، بدءاً بتمرير القوانين المنهكة للموازنة العامة بهدف كسب الأصوات الانتخابية فالخدمات الفردية التي يؤديها النواب لناخبيهم في أروقة وزارات الدولة ومؤسساتها وانتهاءً باستخدام أموال الوقف والزكاة في الحملات الانتخابية إضافة إلى ترويج فتاوى بتحريم التصويت لمرشح ما وفتاوى تأييد مرشحين آخرين في عملية مكشوفة لاستغلال الدين في المكاسب الدنيوية·
إن عويل التيارات السياسية ونحيبها على نتائجها المتواضعة في انتخابات "العديلية" لن ينفعها شيئاً، كما أن شق الجيوب ولطم الخدود لن يعيد ميتاً إلى الحياة· ونضيف إلى ذلك عدم منطقية الإلحاح على فوز ممثلي التيارات السياسية وتجاهل دور المستقلين· وعلى افتراض أن من نجح إنما نجح من خلال رشوة الناخبين فالأولى بنا أن نلوم الناخبين الذي تدنى وعيهم وهبط مستواهم· والأجدى بكل من فشل في الوصول إلى الكرسي البرلماني من مستقلين وتيارات سياسية دراسة النتائج بشكل موضوعي لمعرفة نقاط الضعف وتحديد مواقع الخلل في المرشح أو التيار السياسي من دون محاولة تعليق نتيجة الإخفاق على شماعة ظاهرة شراء الأصوات· فانتخابات 2003 على الأبواب والاستعداد لها يقتضي شحذ الهمم من الآن· |