| في حديث للمصطفى (صلى الله عليه وسلم) أن أحد صحابتة أتاه مستشفعاً لتخفيف حد السرقة عن مذنب أقيمت عليه البينة، فانتفض النبي العظيم وأطلق تلك المقولة الخالدة "إنما هلكت أمم من قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد· والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"· ولعل الصحابي الذي أتى مستشفعاً كانت له وجهة نظر قد تبدو صائبة في علم السياسة اليوم، إذ كان يخشى أن يرتد المدان ومعه قومه إن أقيم الحد عليه، وفي ذلك، من وجهة نظر الشفيع، إضعاف للدعوة وهي في وقت حرج تحتاج فيه إلى العضد والسند بعد أن تكالب كبار الشرك والنفاق سواء منهم من هم في داخل المدينة أم خارجها، ومن هذا المنطلق "السياسي" لم يجد الشفيع ضيراً من إلغاء أو تخفيف الحد في سبيل مصلحة أعلى· لكن الحق كلٌ لا يتجزأ ولا يمكن للمؤمن أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه الآخر، ولابد أن تبنى المبادئ على أسس راسخة حتى ترتفع في عنان السماء شامخة، ومن هذا المنطلق تكلم المعصوم بلسان الوحي ليضع حداً فاصلاً بين "السياسة" في مفهومها الميكيافيلي و"السياسة" في إطارها الشرعي·· وجدير بالتنويه أن القسم العظيم للنبي العظيم كان قاطعاً كحد السيف بتاراً كنصل السكين، فهو لم يستثن أحداً بمن في ذلك بضعته الزهراء والتي كان دوماً يصفها بأم أبيها وينعتها بريحانته من الدنيا ويسميها بسيدة نساء العالمين يقارن بينها وبين مريم ابنة عمران وآسيا بنت مزاحم·
هذه الخواطر تواردت على ذهني وأنا استرجع تقرير الحكومة "المبجلة الموقرة الرشيدة" في شأن مراحل وتطورات قضية الاختلاسات والذي عرض على مجلس الأمة في جلسته يوم الاثنين الماضي· فالتقرير، كما وصفه عدد من أعضاء مجلس الأمة، تقرير هزيل ركيك اكتفى بسرد وقائع بعض الإجراءات والإحالات دون تبيان لتفاصيل الخطوات التي اتخذتها أو تتخذها الحكومة لاسترداد المبالغ المختلسة· ورغم ذلك فإن الحكومة أردات أن يكون التقرير سرياً أيضاً حتى لا تظهر أسماء "الشرفاء" على صفحات الجرائد وعلى ألسنة الناس، أما دعوى السيد وزير العدل بالخوف من أن شيوع التقرير قد يضر بالمركز القانوني للدعاوى المنظورة أمام المحاكم، فنعتقد أن الحظ لم يحالف الوزير في مثل هذه المرافعة· التقرير الحكومي الموجز لم يأت بجديد ولم يفش سراً ولم يذع إدانة أو اتهاماً، بل سجل وقائع معروفة وحقائق منشورة وقضايا محسومة، ولذلك فإن طلب طيها تحت وسادة السرية قد يدخلنا في باب التستر على "الشرفاء" حتى لا نقيم الحدود عليهم، وبذلك تشملنا دعوة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بإدخالنا في الأمم الهالكة·
وطالما أن "الحديدة حارة" فإن من حق وواجب أعضاء مجلس الأمة "الدق" على قضايا التسليح المعلقة وخصوصاً أن أكثر من 80% منها قد حفظت من دون الوصول إلى نتيجة نهائية، وقد تحفظ بقية القضايا طالما أن المهمة الرئيسية تبدو أنها تتمثل في حفظ سمعة "الشرفاء" وليس في إقامة العدل وتثبيت الحدود· |