| استقالة الحكومة لم تشكل مفاجأة على الإطلاق، فالكل كان يتكهن بسقوط الوزارة منذ يوم تشكيلها، لكن المفاجأة قد تكون في المدة الطويلة التي قضتها الوزارة في غرفة الإنعاش رغم التباين الجلي في الاتجاهات والرؤى داخل المطبخ الوزاري· وكان يمكن للحكومة أن تصمد وقتا أطول لو لم يتقرر سحب أجهزة التنفس الصناعي عنها، ولعل القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقال، وعجلت بقرار وأد الوزارة تتمثل في الاستجواب الذي قدمه السيد حسين القلاف، والذي دون شك لم يكن موجها الى السيد سعد الهاشل فحسب، بل كان في جوهره بداية إعلان عدم التعاون مع الحكومة· فالنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء صرح منذ أيام فقط بعدم علمه بأي تعديل وزاري مرتقب، ناهيك عن علمه باستقالة الوزارة بأكملها· ومن نافلة القول إن بذرة سقوط الوزارة وضعت يوم تشكيلها، فالمنهج التقليدي المتبع في هذا الخصوص لا يتعدى "قعدة الديوانيات" وعلى طريقة توزيع الغنائم على الأقطاب الرئيسية للحكومة دون وجود رؤية واضحة لمهام وعمل الحكومة ودون وجود برنامج محدد لأهدافها وغاياتها· ولعل غياب مجلس الأمة، أو تغييبه على الأصح، في آلية تشكيل الوزارة سبب رئيسي لضعف الوزارة المستقيلة، بل والوزارات القادمة أيضا·
وبحسب ما ترجحه التكهنات فإن التشكيل الوزاري الجديد المرتقب لن يكون أحسن حالاً من حال الوزارة المستقيلة، ففيما عدا التوقع بخروج قطب رئيسي من التوليفة الجديدة ستكون بقية التغييرات تغييرات تشمل "الديكور" وليس الجوهر، والوزارة القادمة بهذه الصيغة لن ترقى الى مستوى تطلعات المواطنين بمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وبذلك لا يتوقع أن تصمد التشكيلة الجديدة أمام رياح الأنواء السياسية التي تعصف بالبلد، بل سندخل في دوامة جديدة من التكهنات بموعد التعديل الوزاري أو استقالة الحكومة مجتمعة· ولا يتوقع أيضا أن ينتهي "صراع الأقطاب" في المطبخ الحكومي عند تشكيل الوزارة الجديدة، بل على العكس من ذلك تماما تشير كل التوقعات الى اشتداد أوار التناقض بين الرؤى المختلفة·
إن المطلوب، إن كان يراد الاستقرار السياسي للبلاد، أن تغتنم فرصة التشكيل الوزاري الجديد لبدء منهج جديد في طريقة التشكيل الوزاري قبل البدء باختيار الأسماء المرشحة لتولي الحقائب المختلفة فيها، ونقطة الانطلاق تتمثل في رؤية واضحة لبرنامج الحكومة في كيفية معالجة المعضلات التي تواجه مجتمعنا، ومن ثم وضع آلية عملية لتنفيذ خطط الحكومة وبرنامجها· وفي هذا الإطار فإن دور مجلس الأمة يجب أن يكون سابقا للتشكيل الوزاري وليس لاحقا له، كما جرى التعارف عليه· وليس المهم أن يتم التشكيل الوزاري على عجل فقد عشنا سنوات طويلة في حالة اللاقرار ولن تنكسف الشمس إن تمهلنا قليلا· لكن ما نطرحه هو في نهاية المطاف أضغاث أحلام ليس إلا، إذ ما زلنا نرى الأمور بعقلية القبيلة وليس بمفهوم الدولة وما زلنا نعيش على طمام المرحوم· |