| نتفهم جيداً أن يتكتل النواب ذوو التوجه الفكري المتقارب بهدف تقديم رؤية واحدة كبرنامج عمل في دور الانعقاد الواحد، ونتفهم أيضاً أن يتجمع عدد من المواطنين لتشكيل تيار سياسي يحمل أفكاراً للعمل العام ويقدم مشاريع متكاملة أو شبه متكاملة للقضايا العامة· لكن ما لا يمكن هضمه فعلاً أن تتوحد جهود نواب من مجلس الأمة تجمعهم رابطة فكرية واحدة ولا تشملهم رؤية سياسية معينة ومن ثم تتكاتف جهودهم في طرح قضايا لا يمكن الاختلاف عليها أساساً من مثل قضايا الإسكان والبطالة وغيرهما من القضايا التي اصطلح بتسميتها بالقضايا الشعبية· ومن بعد الاتفاق على ما لا يمكن الاختلاف حوله يترك التكتل القضايا المختلف بشأنها خياراً فردياً للمستقلين ولأعضاء التنظيمين الرئىسيين في التكتل· وفي السياق نفسه يظهر على السطح تكتل آخر يضم 12 نائباً يحمل الأفكار نفسها ويطرح القضايا ذاتها ويرفع لواء الدفاع عن أطروحات القضايا الشعبية أيضاً· وطالما أن اهتمامات التكتلين واحدة وأولوياتها متفقة مع بعضها، ويشكلان في الوقت نفسه أكثر من نصف عدد أعضاء مجلس الأمة لا نجد مبرراً واحداً يمنع من تحقيق أمنيات التكتلين ويعيق تنفيذ أولوياتهما·
التكتلات النيابية، بالمعنى المطروح على الساحة هذه الأيام، تشكل في طبيعتها انتهازاً للفرص ليس إلا وتمثل تسابقاً محموماً "لتجيير" المطالبة بالوعود بغض النظر عن امكانية تحقيقها وتعبر في الوقت نفسه عن عجز مطلق للتيارات السياسية في الدرجة الأولى بتحقيق أي إنجاز فعلي للوطن وللمواطنين· وبذلك فإن الهدف الرئيسي لهذه التكتلات هو دغدغة مشاعر المواطن الناخب واستجداء صوته الانتخابي كاستعداد مبكر جداً للانتخابات المقبلة، أو على أقل تقدير، فإن هذه التكتلات مهتمة بتلميع الصورة الباهتة لغالبية أعضاء مجلس الأمة خلال الفصل التشريعي الحالي· ومن هذا المنظور نرى في التكتلات الجديدة ردة في مضمون العمل النيابي وتراجعاً في مستوى أداء النواب وتخاذلاً منهم في أداء مهامهم التشريعية والرقابية وتقاعسهم عن حمل مسؤولية الأمانة الملقاة على كواهله·
لكن ظهور التكتلين يحمل ايجابية واحدة يجدر التنويه بها والاشارة اليها، إذ أخذ السيد مبارك الدويلة، المتحدث باسم "التكتل الإسلامي" المناداة علانية بالسماح بتشكيل أحزاب سياسية رسمية، ونرجو ألا "يجير" السيد الدويلة المطالبة لصالحه الشخصي أو لصالح تيار الإخوان المسلمين، فقد سبقته في ذلك التيارات الوطنية والليبرالية· وإذا لم تكن هذه الدعوة بهدف الاستهلاك المحلي فإن على "التكتل الإسلامي" أن يستجمع قواه لتقديم مشروع قانون يهيئ الأرضية المناسبة لتشكيل الأحزاب، وهي قضية تحمل في طياتها الحاجة إلى معالجة مواد الدستور ذات الصلة بإجراءات وكيفية تشكيل الحكومة واستئثار حزب الأغلبية بحصة الأسد فيها· فالسماح بوجود الأحزاب السياسية يعني في الدرجة الأولى تداول السلطة بين هذه الأحزاب بناءً على نتائج الانتخابات العامة وليس السماح لها بتنظيم الحملات الانتخابية فحسب· |