| في الكويت يعتبر التعليم الجامعي ضرورة لأسباب ليست بالضرورة أكاديمية أو تعليمية وإنما لأسباب أخرى بعضها اجتماعي وبعضها الآخر يعود لارتباط الشهادة الجامعية بمركز وظيفي معين· حيث تؤهل الشهادة الجامعية حاملها لشغل وظيفة حكومية بالدرجة الرابعة بصرف النظر عن أي مؤهلات أو قدرات أخرى· وهو أمر ولا شك قد قتل الطموح والتنافس لدى الطالب الكويتي، وجعلنا نعاني على المستوى العملي من طاقات مجمدة أو مهدرة وشبه بطالة موظفة· أما على المستوى التعليمي فقد انعكس ذلك الواقع على اختناقات موسمية نشهدها عند كل فصل دراسي جديد في الجامعة!! ولا تخلو قضية التعليم وخصوصا الجامعي والعالي منه، من منغصات تطل برأسها بين الحين والآخر عابثة بكل الجهود المبذولة لتطوير وتحديث العملية التعليمية بشكل عام !! أبرز تلك المنغصات هو هوس الاختلاط لدى البعض، والذي أدى الى تجميد كل مشروع يهدف الى تطوير أو تنويع مصادر التعليم العالي والجامعي بشكل خاص!!
قانون منع الاختلاط الذي أقره مجلس الأمة منذ ما يقارب الخمسة أعوام يأتي كقانون كارثة، ليس لأننا مع اختلاط الجنسين أو مع التعليم المشترك، وإنما لأنه وكقانون قد أربك العمل في الجامعة بصورة مؤسفة، وشل العمل في الكثير من المشاريع والمقترحات المقدمة لتطوير وتحديث الأداء الأكاديمي في أكثر من جهة وكلية!! بالإضافة الى كونه يشكل عائقا أمام استضافة جامعات ومعاهد عليا تخفف الضغط على جامعة الكويت، وتبعث شيئا من التنافس الأكاديمي والعلمي الحيوي والهام جدا لأي مؤسسة أكاديمية وذلك بعد أن أصبح شرطا لقبول فتح جامعات خاصة تتيح التوسع والتنوع الأكاديمي والعلمي!!
في التاسع والعشرين من مايو المقبل تنتهي آخر مهلة لتنفيذ قانون منع الاختلاط في الجامعة!! وبانتهاء المهلة تقدم الجامعة جدولها ومشروعها لتنفيذ هذا القانون أو ما تم إنجازه خلال الفترة السابقة!!
ولا نتصور بأن الجامعة قد استطاعت أن تحقق (إنجازا) يرضي أصحاب المشروع لأسباب خارجة عن استطاعة الإدارة الجامعية وإمكانياتها الإدارية والأكاديمية!!
الاختلاط في الجامعة ليس مسألة خاضعة لوجهة نظر مجموعة مهما شكلت من أغلبية، وإنما هي مسألة تخضع بالدرجة الأولى لمقاييس المنطق، ولترتيب الأولويات!! فسواء كنا مؤيدين أو معارضين للاختلاط فإننا جميعا ندرك عدم قابلية مشروع كهذا للتطبيق، لأسباب أولها صعوبة الفصل المكاني، حيث يصعب جدا تخصيص مبان خاصة للأولاد وأخرى للبنات خصوصا في ظل الشح المكاني الذي تعاني منه الجامعة!! أما ثاني تلك الأسباب فيعود الى صعوبة توفير هيئة تدريسية تخدم مشروع الفصل، وهو أمر تعاني منه الجامعة في ظل وضعها الحالي مما يدفعها دائما الى انتداب أساتذة للعمل بالتدريس فيها، أو تشجيع بعض أعضاء الهيئة التدريسية للعمل بنظام الوقت الإضافي مع مضاعفة في الأجور!! سبب ثالث يعود الى الفرق الكبير بين أعداد الطلبة وأعداد الطالبات، حيث تقدر نسبة الطالبات %63 مقارنة بالطلبة!! وهو أمر يكفي أن يقبر مشروع الاختلاط ويئده في مهده!! لأن توزيع نسبة كهذه موزعة حاليا على سبعة آلاف طالب وطالبة ستكون مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة ومرتجلة، خصوصا وأننا لن نستطيع أن نتنبأ بالتغيرات التي قد تطرأ على تلك النسبة، وبالتالي فإن أي خطة ستكون مرحلية ومؤقتة أي قابلة للتحول وللتخطيط دائما!!
ولكي نتأكد من عدم منطقية وعملية مشروع الفصل ما علينا سوى أن نتخيل حالة الفوضى والارتباك التي قد يثيرها مشروع كهذا في كليات تخصصية ككلية الطب والهندسة مثلا· أو عن التكلفة المالية الخيالية لفصل معامل تدريس اللغة ومختبرات العلوم وغيرها!!
نحن ولا شك أمام مشروع أجهضته العقلانية في التحليل وتجهضه الواقعية والإمكانية في التنفيذ!! وإذا كان أصحاب المشروع - وهم بالتأكيد كذلك - قد أرادوا من ورائه تحقيق مكاسب سياسية وانتخابية فإننا نبشرهم بأنهم قد أدركوها· فقد نسب لهم وكما سيدون التاريخ، بأنهم قد (أثروا) المسيرة التعليمية بما سددوه لها من سهام قاتلة· وأثاروا من ورائهم زوبعة في فنجان لم تخلف سوى كارثة سنندم يوما عليها!! |