|
أصبحت المدارس الدينية في البلدان الإسلامية لا تفرخ إلا إرهابا، فكريا أو جسديا يتمثل بإلغاء الآخر عن طريق القتل أو التكفير والإقصاء· ففي الباكستان أفرزت هذه المدارس جماعة الطالبان التي اعتلت سدة الحكم في أفغانستان بمساعدة المخابرات الأمريكية والباكستانية، وعن طريق تصفية رفاق الأمس··· وقد عملت هذه الجماعة على إرجاع ذلك البلد المسلم قرونا الى الوراء عن طريق فرض الأحكام المتشددة التي ألبست اسم الإسلام زورا وبهتانا·
وقد غدا الأسلوب الطالباني في تفسير الدين، نموذجا يحتذى به عند الكثيرين من أبناء هذه الأمة، ولعل أسباب ذلك ترجع الى وجود أخطاء أساسية في فهم الدين ومقاصده السمحة، فاتفاق المسلمين على ثوابت الدين أمر متعارف عليه، إلا أن تفسير النص الديني هو الذي يؤدي إلى الخلاف، فالتشدد هو سيد الموقف والأكثر انحرافا هو الأكثر تدينا في نظر الكثيرين، أما المجددون من علماء هذه الأمة والمتنورون فمحاربون من قبل قوى الظلام·
المدارس الدينية في إيران لم تكن بعيدة عن مثل هذه الأجواء قديما وحديثا، فقد شخص الإمام الخميني حالة تلك المدارس والحوزات العلمية بأنها لم تكن تسير وفق المنظور الإسلامي الصحيح، الى أن تفضل الله على هذه المدارس ببعض العلماء المخلصين الذين جاهدوا وقاوموا أجواء التحجر التي كان يفرضها أصحاب النظرة الضيقة·
ففي خطاب وجهه سماحته الى العلماء بتاريخ 22 فبراير سنة 1989 أي قبل وفاته بأربعة أشهر تقريبا، أشار سماحة الإمام إلى خطورة مسألة التكفير وإلغاء الآخر، والتي ناله شخصيا منها نصيب، بسبب قيامه بتدريس بعض المواد الدراسية المنبوذة في أذهان المتحجرين الموجودين في تلك المدارس الدينية، والتي لو استمر تأثير تلك الفئة الجاهلة والرجعية على أذهان طلبة هذه المدارس لأصبح وضعها شبيها بوضع الكنائس في أوروبا في عصور الظلام، عندما كانت الكنيسة تحارب كل جديد في مجال العلوم وكانت تضفي صفة القداسة على من لا يستحق القداسة، وفي ذلك يقول الإمام “ومن القضايا التي كانت منتشرة في الحوزات اعتبار كل من يسير منحرفا هو أكثر تدينا، فيما أصبح تعلم اللغات الأجنبية كفرا وتعلم الفلسفة والعرفان ذنبا وشركا· وعندما شرب ابني الصغير المرحوم مصطفى الماء من شربة في المدرسة الفيضية أخذوا تلك الشربة وطهروها بالماء لأنني كنت أدرس الفلسفة، ولا يخفى أنه لو استمرت هذه السياسة لأصبح وضع العلماء والحوزات كوضع كنائس القرون الوسطى ولكن الله تفضل على المسلمين والعلماء وحفظ الكيان الحقيقي والمجد الواقعي للحوزات، وقد تربى في هذه الحوزات نفسها أيضا العلماء المعتقدون بالدين وفصلوا أنفسهم عن الآخرين، وقد نجمت من هذه المشاعل الثورة الإسلامية الكبرى”·
ولم يقتصر أمر هذه الفئة على محاربة كل جديد في هذه الحياة بل أخذت تزايد على الآخرين في دينهم، عن طريق إيهام الناس بأنهم المدافعون الوحيدون عن ثوابت الدين الإسلامي ولذا اتخذوا مسألة الولاية ستارا يخفون خلفه أهدافهم الحقيقية التي تتلخص بجمع الأموال والمنافع الدنيوية، وقد سلط الإمام الراحل الضوء على هذه الحيل الشيطانية واعتبر أن أصحاب هذه الألاعيب قد وجهوا ضربة قاصمة للدين وللنبي الأكرم “ولا يتسللوا (دعاة الولاية) الذين أهدروا أمس بسكوتهم وتحجرهم شرف الإسلام والمسلمين وقصموا بالعمل ظهر الرسول وأهل بيت العصمة والطهارة ولم يكن عنوان الولاية لهم إلا للتكسب والعيش، اعتبروا اليوم أنفسهم مؤسسي ووارثي الولاية وأخذوا يتحسرون على ولاية حكومة الشاه”·
ويكشف الإمام في جانب آخر من خطابه عن طبيعة هذه الفئات وقوتها والأساليب التي كانوا يتبعونها في التأثير على عوام الناس، فيقول “ولا تعتقدوا أن تهمة الارتباط والافتراء بالأدينية وجهت الى العلماء من الأجانب فقط· إذ كانت طعنات العلماء المطلعين المرتبطين وغير المطلعين أشد أضعافا كثيرة من ضربات الأجانب، فلو أردت في بداية التحركات الإسلامية أن تقول إن الشاه خائن لكنت تسمع الجواب فورا بأن الشاه شيعي· وقد كان عدد من المزيفين يعتبرون كل شيء حراما فلم يكن هناك من يستطيع أن يعلن عن وجوده في مقابلهم· وقد كانت الطعنة التي تلقاها أبوكم العجوز من هؤلاء المتحجرين لم يتلق مثلها من ضغط وقساوة الآخرين”·
ولقد أفاض الإمام الخميني في الحديث عن هذه الفئات وحذر من خطرها على أذهان وعقول الشباب في رسالته المطولة والتي مدح فيها أيضا العلماء المجاهدين الذين وظفوا جهودهم وحيثيتهم لنشر العلوم والمفاهيم الإسلامية الصحيحة· ومن أراد المزيد فليرجع الى تلك الرسالة وهي تختلف عن وصيته الأخيرة·
“وبطبيعة الحال لا يعني هذا بأن ننهض للدفاع عن جميع العلماء إذ إن علماء البلاط والمزيفين والمتحجرين ليسوا قليلين ولن يكونوا قليلين· إن في الحوزات العلمية أشخاصا يعملون ضد الثورة والإسلام المحمدي الأصيل·
ويوجه اليوم عدد من المزيفين السهام إلى الدين والثورة والنظام حدا حتى وكأن لا وظيفة لهم غير هذا· وليس قليلا إذن خطر المتحجرين والمزيفين الحمقى في الحوزات العلمية· وعلى الطلبة الأعزاء أن لا يتقاعسوا لحظة واحدة في معرفة أمر هؤلاء الثعابين التي يبدو ظاهرها لينا جدا· فإنهم مروجو الإسلام الأمريكي وإنهم أعداء رسول الله· أليس من الواجب إذن على الطلبة الأعزاء أن يحفظوا تكاتفهم مقابل هذه الثعابين”·
لقد أراد الإمام الخميني أن يوجه رسالة إلى الأمة يحذر فيها من أصحاب العصبيات والمتخلفين أصحاب الشعارات الدينية والذين لا يملكون من العلم إلا العناوين الكبيرة، إن عصبيتهم تنطلق من الضعف الثقافي والديني والسياسي لأن من يملك زمام الفكر الذي يؤمن به لا يخاف من أن يعطي الحرية للآخر··· فالذين يصادرون الحرية هم الخائفون من أن تصادر الحرية تخلفهم وضعفهم وترددهم!!· |