| حديث الخصخصة أصبح الحديث الأكثر رواجا في الآونة الأخيرة!! وهو حديث لا يقتصر الخوض فيه على أهل الاقتصاد والضالعين في أمور المال والأعمال، وإنما يتناوله الجميع كونه حديثا يتناول ويمس كل شؤونهم الحياتية الآنية منها والمستقبلية!!
ولا يملك المتابع لتلك الأحاديث إلا أن يشفق على وزير المالية الدكتور “يوسف الإبراهيم” كونه جاء الى الوزارة في أكثر الأوقات صعوبة وحرجا، خصوصا وأننا كمواطنين نتابع جهوده الحثيثة سواء من خلال أحاديثه للصحافة أو غيرها وهو يحاول جاهدا أن يعبر بالوطن هذا المنخفض الخطير والحرج!!
ففي حديث نشرته جريدة القبس قال وزير المالية في مؤتمره الصحافي إن هنالك ضرورة لإعداد الإجراءات والقوانين اللازمة لتوفير بيئة صالحة لتطبيق مشاريع التخصيص بما يحقق الهدف الأساسي من سياسة الإصلاح الاقتصادي، ألا وهو تمليك المواطنين أنفسهم مشاريع الدولة ومؤسساتها الاقتصادية بما يرفع إنتاجيتها، ويزيد من فعاليتها ويخفض من كلفة منتجاتها ويخفف بذلك العبء على الخزينة العامة، ويتيح في الوقت نفسه فرصا استثمارية مناسبة بما يحقق مصلحة الوطن والمواطنين”!!
إلا أن الكثير يشكك في طموحات الوزير الذي يأمل أن تؤدي الخصخصة الى تخفيف العبء عن الميزانية العامة، وذلك بناء على تجارب تاريخية مرت بها الكويت وأثبتت أن هنالك معوقات سياسية وإدارية تحول دون تحقيق طموحات الوزير “يوسف الإبراهيم”· وقد جاء ذكر بعض تلك المعوقات في المذكرات التي نشرتها جريدة القبس في مايو الماضي والتي حوت ملفات من وثائق الخارجية البريطانية حول الاقتصاد الكويتي بين عامي (1950-1868) حيث تقول إحدى هذه الملفات إن الحكومة الكويتية قد عمدت في الخمسينيات الى تبنى خطة لشراء الأراضي بالجملة كوسيلة لتوزيع الدخل، وفي البداية كان شراء الأراضي أو استملاكها ضروريا لتوفير مجال لتطوير الموجودات الأساسية المادية للدولة· ولكنها أصبحت فيما بعد سياسة حكومية لاستملاك المزيد من الأراضي وبما يزيد كثيرا عن الحاجة، ودفع مبالغ ضخمة ثمنا لتلك الأراضي، ويجب الملاحظة هنا أن خطة الاستملاك، مع أنها طرحت كوسيلة حكومية مقصودة للتوسع في توزيع الدخل وعلى نطاق أوسع، كانت في الأصل قد فرضت على الحكومة فرضا من قبل عدد من الشخصيات الكويتية النافذة!! وقد كانت التكاليف الحقيقية لاستملاكات الأراضي خلال تلك الفترة باهظة جدا، وعلى كل حال فإنه حتى في هذه المسألة تعرضت الحكومة للمصاعب، فقد وجدت بعض أموال التثمين طريقها نحو جيوب بعض المستغلين الذين سعوا بوسائل لا تتصف بالأمانة في أحيان كثيرة الى تملك سندات العقارات التي كانت مستهدفة لشرائها لمشاريع التنمية!!
ألا يرى السيد الوزير أن في ذلك النهج خللا إداريا أكثر من كونه اقتصاديا؟! ثم ألا يرى كذلك أن الظروف الإدارية هذه لا تزال قائمة وهو أمر قد يحول دون تحقيق طموحات الدكتور “يوسف الإبراهيم” الاقتصادية وقد يعيق تقدم قطار الخصخصة المتلهف إلى الوصول!!
ويمضي السيد الوزير في سرد طموحاته حيث يؤكد أن مشروع الخصخصة سيوفر الحماية اللازمة للعمالة الوطنية وضمان خلق الوظائف للأجيال القادمة، حيث ستكون هنالك ضوابط وتشريعات جديدة ستزيد من كلفة استخدام العامل الأجنبي الذي قد ينافس العامل الوطني، بل وقد تتدرج تلك الحماية الى منع جلب العمالة الأجنبية والتي قد تتواجد عمالة وطنية مماثلة لها!!
ولا نتصور بأن تشريعات كهذه ستساهم في علاج ظاهرة النقص في قوة العمل الوطنية!! وقد أشار الأستاذ “محمد سلمان غانم” في كتابه “الاقتصاد الكويتي: دراسات في الاقتصاد الطفيلي” الى أن أي معالجة جذرية لمشكلة النقص في الكادر الكويتي المتخصص والعمالة المنتجة على المدى البعيد لا بد وأن تأخذ في اعتبارها العوامل التالية: أولا: أن البنية الاقتصادية هي التي تولد العمالة اللازمة لها وليس ندرة نوع معين من العمالة هي المسؤولة عن تأخر البنية الاقتصادية·
ثانيا: إن قوة العمل الوطنية بالذات منفصلة تقريبا عن سوق العمل في القطاعات الإنتاجية·
وإن السياسة الحالية في التوظيف من ناحية والامتيازات الاقتصادية التي تتمتع بها قوة العمل الوطنية قد أعفي من أهمية خلق نوعية أخرى من العمالة تتناسب مع متطلبات التطور الاقتصادي· ثالثا: إن الوفرة المادية أدت الى عدم الربط بين الجهد والعائد، وبالتالي غياب الحافز المادي لدى الكويتيين بالذات عند إبداء رغباتهم بالتخصصات العلمية المختلفة·
رابعا: ربط المؤسسات التعليمية وخصوصا جامعة الكويت ومعاهد التدريب الفني والتطبيقي بالمؤسسات الإنتاجية· وتوجيه الطلب الى كيفية الربط بين العلوم النظرية والحياة العلمية!!
لقد ذكر الكاتب أمورا كثيرة تتعلق بشروط التحول الاقتصادي المطلوب، قد لا يكون المجال متسعا هنا لذكرها بالتفصيل، ولكننا أوردنا بعضها فقط لنذكر بأن الخصخصة أو تأهيل الكوادر الوطنية لا يمكن أن تحققهما رغبة أو قانون فقط!! |