| لا يزال تاريخ نشأة بلدية الكويت ومجلسها البلدي المنتخب “مجهول الميلاد”، وكل ما نعرف عنه ما سطره بعض الشخصيات والمؤرخون والكتاب ومنهم:
1 - الشهادة المكتوبة من الشيخ المرحوم “عبدالله الجابر الصباح” للنائب السابق المخضرم “محمد أحمد أرشيد البداح” حيث جاء فيها إن بلدية الكويت تأسست في 27 ذي القعدة عام 1347 هـ ما يعادل عام 1926م·
2 - ما جاء في مذكرات السيد المرحوم “خالد العدساني” الممنوعة في الكويت تحت عنوان “نصف عام من الحكم النيابي في الكويت” بأنها تأسست عام 1927·
3 - وما ذكره الدبلوماسي المرحوم “حمد السعيدان” في الموسوعة الكويتية المختصرة بأنها نشأت عام 1928·
4 - وما خطته الدكتورة “نجاة عبدالقادر الجاسم” في كتابها “بلدية الكويت في خمسين عاما” جاء أنها نشأت عام 1930·
إلا أن المؤكد من التواريخ الأربعة أن نشأة بلدية الكويت وقيام أول مجلس بلدي منتخب في الكويت قد تم في عهد الأمير الراحل “أحمد الجابر الصباح” الذي حكم الكويت ما بين عامي 1921 - 1950 بعد رفضه لفكرة إنشاء مجلس تشريعي منتخب، وبعد فشل أول “مجلس استشاري” معين من قبل السلطة نظرا لعدم تجانس أعضائه وعدم وجود قانون واضح، كما أنه لم يخدم أهل الكويت على الوجه الصحيح بالإضافة لكراهية حاشية السلطة لأي نوع من أنواع المجالس لتعارضها مع مصالحها الخاصة!
وبعد إلحاح شديد من الشعب الكويتي رضخت السلطة لقيام أول مجلس بلدي منتخب عام 1927 من اثني عشر عضوا، وقد ترأس هذا المجلس بشكل شرفي الشيخ المرحوم “عبدالله الجابر الصباح”، ثم اختار الأعضاء السيد المرحوم “سليمان العدساني” ليكون أول مدير عام لبلدية الكويت·
ويعتبر قيام هذا المجلس بمثابة “النواة الأولى للحركات الكويتية الوطنية” وقيام ما لحقه من مجالس أخرى منتخبة “مجلس المعارف”، “مجلس المكتبات” ثم أول مجلس تشريعي نيابي منتخب وكان ذلك عام 1936 وصدور أول دستور للكويت عام 1938 “من خمس مواد” إلا أن تدخل السلطة وحاشيتها في أعمال البلدية والمجالس المنتخبة من حيث التعيين والحل وإرهاب أعضائه وتضارب المصالح أدى في النهاية الى تعطيل أعمال المجالس وأعمال البلدية ومصالح المواطنين ودبت الفوضى بأعمالهم مما أدى الى الاحتجاجات والإضرابات في الكويت، وهذا ما أدى إلى اعتقال بعض الشباب الوطني ومنهم “محمد البراك” لتحدثه علانية ضد السلطة، والشاب “عبدالله العصفور” لتنفيذه لإضراب سيارات الأجرة، والمأمور عبداللطيف العثمان لعدم تنفيذه لأوامر السلطة، كما تم اغتيال ابن المنيس وابن القطامي، وهروب بعض الشباب للبحرين والعراق، ومن ثم تدخل كل من بريطانيا والعراق بالشأن الكويتي الداخلي، وما صاحبه من أحداث كثيرة أدى بالأمر لحل المجلس التشريعي الكويتي بتاريخ 7/3/1939، وقد سمى الكويتيون تلك السنة “بسنة المجلس”!!!
فعاشت الكويت منذ تلك السنة حتى بداية الستينات من دون مجلس أو رقابة شعبية على المصالح العامة وعلى المال العام وأملاك وعقارات الدولة وحفظ حقوق المواطنين· ففي بداية عهد حاكم الكويت الأمير الراحل المحبوب من قبل الشعب “عبدالله السالم الصباح” رحمه الله تعالى حيث أراد أن يوزع خيرات الكويت على شعبها وتنظيم الدولة وتوسيع العمران خارج سور الكويت· ففي عهده تطورت الكويت تطورا كبيرا في كل النواحي من حيث المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبفضله وحكمته أصبحت دولة الكويت مستقلة عن التاج البريطاني عام 1961، وعضوا بالجامعة العربية، وفي الأمم المتحدة عام 1963، وتوج حكمه بالحكم الديمقراطي والمجلس النيابي المنتخب، وصادق على دستورها الحالي· ففي بداية عهده وتحديدا بتاريخ 19 يوليو 1954 أصدر قانوناً أميرياً بتشكيل: “لجنة عليا لتنظيم البلاد” وكان النائب السابق المخضرم “د· أحمد الخطيب” أحد أعضاء هذه اللجنة، وانتهى قرار تلك اللجنة الى تشكيل 24 دائرة حكومية “وزارة بالوقت الحالي”، وأهمها ما يخص هذه المقالة: دائرة البلدية ومجلس الإنشاء، وإدارة أملاك الدولة، وإدارة التسجيل العقاري، ودائرة الأشغال العامة والإسكان، والتي كانت لها علاقة مباشرة بالمواطنين ومصالحهم وبالأخص ما يتعلق بالأراضي والعقارات والتثمين “خلال فترة الخمسينات”·
وقد ترأس مجلس الإنشاء وهو مرفق لا مركزي الشيخ المرحوم “فهد السالم الصباح”، وكان من ضمن أعضاء ذلك المجلس الشيخ “صباح الأحمد الجابر الصباح” نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الحالي·
فقامت بلدية الكويت في تلك الفترة بإنشاء دائرة فنية لمسح كل الأراضي الكويتية تسمى اليوم “دائرة المساحة ودائرة التنظيم”، وقد تم تعيين بعض المراقبين الكويتيين بهذه الدائرة ومنهم المرحوم “محمد بن ابداح” لمناطق حولي والنقرة والجابرية، والمرحوم “عبدالله بن عقاب” لميدان حولي والدمنة “السالمية حاليا” والمرحوم ابن العميري لمناطق الفحيحيل والفنطاس وما يجاورها، والمرحوم ابن الرندي لمناطق خيطان والفروانية والدوغة، وآخران أحدهما لمنطقة الجهرة والمناطق الشمالية والآخر لمدينة الكويت·
وكان من صميم أعمالهم الفنية مراقبة أراضي الدولة وأراضي المواطنين، ومسحها وتثبيت ملكيتها لدى الجهات الرسمية أو البلدية والسجل العقاري وأملاك الدولة، وقد كان كل مراقب يحمل دفتراً يسمى “دفتر الميدان” حيث يتم بعد مسح أي عقار أو أرض تثبيت اسم المالك الأصلي للأرض، وحدودها وموقعها ومساحتها والإحداثيات للأرض ورقم الوثيقة وتاريخها ورقم المخطط بالإضافة “لرسم كروكي” للأرض وغيرها من معلومات مهمة ودقيقة ترشد إلى مالك الأرض الحقيقي “إن كانت لمواطن أو من أملاك الدولة” وقد قام هؤلاء المراقبون خلال فترة الخمسينات وحدها بتحرير أكثر من 15 ألف دفتر ميداني وكل دفتر يحتوي على 100 صفحة بمعنى أن هناك أكثر من مليون ونصف مليون صفحة بهذه الدفاتر وكل صفحة تحمل رقماً “يسمى رقم دفتر الميدان” وهذه الأرقام دائما توضع على المخططات بأعلى المخطط· ففي فترة الخمسينات حصلت بعض التجاوزات على أراضي وأملاك الدولة وعلى أراضي وأملاك المواطنين من قبل مافيا الأراضي وعصابات التثمين بمضايقة هؤلاء المراقبين بأعمالهم الرسمية·· بالتهديد والإرهاب تارة والإغراء والترغيب تارة أخرى من أجل الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي والعقارات العائدة لأملاك الدولة أو لبعض المواطنين، والتي كانت تباع أو تثمن بأغلى الأسعار، وخصوصا أراضي وعقارات حولي والنقرة والجابرية وميدان حولي والسرة ومشرف وبيان والسالمية· فقد كثرت في هذه الفترة مسائل وضع اليد والهبات والبراميل والنياشين والتحويطات “الليلية” على أراضي وعقارات الدولة وغالبية المواطنين!!!
··· (يتبع) |