| ماذا يكون بوسع الكاتب الصحافي إذا وجد نفسه مدفوعا من تلقاء نفسه ومن باب الفضول الصحافي الى تلبية دعوة من نظام سياسي يعارضه بشدة لزيارة بلد هذا النظام·· أقول: ماذا بوسعه أن يكتب من انطباعات يخرج بها من زيارة هذا البلد الواقع تحت حكم ذلك النظام وخصوصا إذا جاءت الانطباعات تؤكد بقوة أكبر صحة استنتاجاته في معارضته لهذا النظام؟
شخصيا مررت بمثل هذه التجربة وتلقيت دعوة لزيارة بلد عربي إفريقي فقير أنهكته الحروب الأهلية والأنظمة العسكرية المتعاقبة وصولا الى تجربة النظام الحالي الإسلامية، ويا لها من “تجربة” أثبتت الأحداث انتهازية جنرالاتها الذين انقلبوا على قائدهم “المنظر” ثم وضعوا أنفسهم تحت الخدمة الكاملة للمخابرات المركزية للإفشاء بأسرار أدوار كل رفاقهم “المجاهدين” من أبناء جلدتهم والعرب في الإرهاب حفاظا على نظامهم من السقوط·
فكان أن توكلت على الله وخضت هذه التجربة الشائكة وكان أمامي أربعة خيارات للتعبير عن انطباعاتي:
- إما أن أكتب على الضد تماما لما يمليه علي ضميري أي بما يرضي الجهة المضيفة وهذه أسوأ الخيانات يرتكبها الكاتب بحق ضميره الصحافي ومهنته كسلطة رابعة·
- وإما أن أكتب بالمنهج الانتقادي نفسه المتشدد ضد النظام في ضوء الانطباعات الجديدة وهذه بحاجة الى قدر من الجرأة وتجاوز الحد الأدنى من مقتضيات المجاملة واللياقة الأدبية في الضيافة العربية التي لم نتعود كسرها في قيمنا العربية·
- وإما أن أكتب بحذر شديد يتوخى حدا أدنى من الصدق وتسجيل الانطباعات بلباقة موضوعية هادئة دون بخس العرفان للجهة المضيفة·
- وإما الصمت برغم كل ما تختزنه الجعبة من انطباعات مهمة، وإن كان هذا أهون من الكتابة الكاذبة المنافقة إلا أنه أسلوب يدخل في عداد “الساكت عن الحق شيطان أخرس”·
وكان أن اعتمدت الخيار الثالث ووفقني الله فيه والغريب أنه حظي بإعجاب المعارضة في هذا البلد وبرضا النظام المضيف الذي لم أتوان أن أذكر لمرافقي وبعض ممن التقيتهم في هذا البلد أنني سأعود لممارسة حريتي في نقد هذا النظام وهو ما فعلته لاحقا·
أخيراً اطلعت على تجربة صحافية مماثلة مثيرة للإعجاب خاضتها الزميلة عصمت الموسوي بتلبيتها دعوة لزيارة العراق وجاءت بحصيلة مدهشة من الانطباعات القيمة في تسجيل مشاهداتها للظروف المأساوية المزدوجة التي يمر بها شعب هذا البلد العظيم تحت نظامه وتحت الحصار معا، فكان أن سجلت هذه المشاهدات بهدوء وبموضوعية لكنها على الضد تماما من المشاهدات الدعائية الرخيصة الفجة لمئات الكتاب والصحافيين العرب الذين يحجون الى بغداد في زيارات متعاقبة بدعوة منها ولا يتورعون عن خيانة ضمائرهم، مكتفين بتسجيل آثار الحصار الخارجي مهملين آثار الحصار الداخلي المفاقم لآثار الأول، لكنها لم تهمله فتنقل عن محدثها العراقي قائلا عن بلاده في زمن الحصار الاقتصادي: “انظري الى العمران في عراقنا الجديد وكله بأيد عراقية “مية المية”·· انظري الى هذا الجامع الضخم الذي سينجز في خمس سنوات ومن المؤمل أن يكون واحدا من أكبر وأعظم الجوامع في العالم هنا البرج الدائر·· هنا أحد قصور الرئاسة”·
وفي اختزال مكثف معبر عن الملهاة المأساوية التي وجدت نفسها والعراق فيها تقول: “وزائر بسيط كحالي للعراق يرى نفسه مهما جدا إذ تستضيفه الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات ويجيب كل يوم عن الأسئلة نفسها لكنني أحرجت مرات عدة بأسئلة تصعب الإجابة عنها: هل ترين أن الطريق الى تحرير الأقصى يمر بأم المعارك”؟! |