رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 4-10 ذو الحجة 1422هـ الموافق 16-22 فبراير 2002
العدد 1515

إيران: وفاق محلي وتقارب إقليمي لمواجهة التهديدات الأمريكية
د.سعيد الشهابي

لم تكن الذكرى الثالثة والعشرون للثورة الإسلامية في إيران بعيدة عن ذاكرة الرئيس الأمريكي عندما أطلق تصريحاته الأخيرة التي أطلق فيها تسمية “محور الشيطان” على كل من العراق وكوريا الشمالية بالإضافة لإيران واتهمها بامتلاك أسلحة الدمار الشامل· وقد أصبح معتاداً عودة “الحرب الباردة” بين واشنطن وطهران في مثل هذه الأيام من كل عام منذ انتصار الثورة التي قادها الإمام الخميني رحمه الله ضد نظام الشاه، وأنهى ما كان “الشيطان الأكبر” يتمتع به من نفوذ في تلك البلاد· هناك أسباب معروفة لمثل هذه التصريحات وأخرى تقرأ من وراء السطور· من هذه الأسباب غير المباشرة شعور الولايات المتحدة بتعثر حربها ضد الإرهاب، وحاجتها لمبررات لاستمرار التعبئة· فقد أسقطت نظام طالبان، ولكنها لاتزال تخوض معارك مع جيوب من تلك الحركة في جبال أفغانستان الوعرة بعد أن فشلت في اعتقال رئيسها الملا محمد عمر· وضربت بقسوة مواقع تنظيم القاعدة·

ولكن رموزه الكبيرة أفلتت من القبضة الأمريكية وأصبحت أشباحاً تدخل الرعب في قلوب الأمريكيين· ويفهم من التصريحات الأمريكية شعور بالتوتر والاضطراب من عدم حسم المشكلة، وثمة بعد آخر لذلك يتمثل في عودة التوتر بين أمراء الحرب في أفغانستان وبروز الحاجة لاتهام جهات خارجية، غير الولايات المتحدة، بتأجيج ذلك· ومن بين البلدان المجاورة لأفغانستان تبرز إيران كمصدر لما تعتبره أمريكا مصدراً للإزعاج أو سبباً لتعثر السياسة الأمريكية في المنطقة·

كما أن فشل المشروع الأمريكي لتسوية القضية الفلسطينية يمثل بعداً آخر لفشل ساسة البيت الأبيض الذين يشيرون إلى إيران ورفضها المشروع ودعمها مجموعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية·

وفي الأسابيع الأخيرة حدثت بضعة تطورات أخرى أثارت حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص· أولها ما قيل عن لجوء عدد من قيادات تنظيم القاعدة إلى الأراضي الإيرانية ورفض طهران القاطع لتسليمهم إلى السلطات الأمريكية· وتقول الرواية إن إيران تضغط على حكومات دول أولئك اللاجئين للقبول باستلامهم والتصرف معهم بطرقها الخاصة، ولكن إيران تنفي تلك الرواية، بينما تتحدث التصريحات الأمريكية المتلاحقة في الفترة الأخيرة عن “إيواء إيران إرهابيين” و”استمرارها في دعم الإرهاب الدولي”· وثانيها عقد إيران مؤتمراً حول دور الإعلام في دعم الانتفاضة الفلسطينية، حضرته رموز فلسطينية وصحافيون من بلدان كثيرة· وثالثها ما قيل عن احتجاز القوات الإسرائيلية سفينة تحمل أسلحة إيرانية إلى السلطة الفلسطينية، وهي قضية أثيرت بشأنها ضجة كبيرة تسعى لإقناع الرأي العام الدولي بأن السلطة الفلسطينية لا يحق لها امتلاك أسلحة خفيفة كالتي كانت على متن السفينة· ورابعها الزيارة التي قام بها وزير الخارجية العراقي، ناجي صبري، إلى إيران وحدوث تفاهم إيراني - عراقي حول عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين· وليس في أي من هذه التطورات، إذا كانت قد حدثت فعلاً، ما يمكن اعتباره خرقاً للقوانين الدولية من وجهة نظر الإيرانيين، ولكن لدى الأمريكيين مقياس آخر لقياس الأمور، وهو مقياس خاضع للمصالح الإسرائيلية قبل المصلحة الأمريكية·

الاحتفالات التي انطلقت بمناسبة ذكرى الثورة هذا العام تعكس وجود قدر من التفاهم بين أصحاب القرار في طهران حول القضايا الاستراتيجية على الأقل· ويرى بعض المطلعين أن التوجهات السلبية الأمريكية تجاه إيران ربما أدت إلى نتائج مغايرة للتطلعات الأمريكية· فقد اتضح لدى المحافظين والإصلاحيين مدى الخطر الذي يحدث في النظام الإسلامي الذي يديرونه، وأن استمرار الشد والجذب في ما بينهم من شأنه إضعاف الموقف أمام التهديدات الخطيرة التي يطلقها من يعتبرونهم أعداء الثورة· ولذلك أصدر “مجلس التنسق” للمجموعات الإصلاحية في البرلمان الإيراني بياناً يدعو إلى وحدة الصف الداخلي لمواجهة التصريحات الأمريكية، وهو تطور ما كان ليحدث لولا تصريحات الرئيس بوش· وقد تعددت مظاهر الاحتفالات لتشمل المهرجانات  السينمائية والعروض الفنية والندوات السياسية والثقافية· كما تميزت بقدر من التفاهم بين الإصلاحيين والمحافظين،خصوصاً بعد إطلاق سراح النائب البرلماني محمد لقمانيان الذي اعتقل  بسبب تعرضه للسلطة القضائية· فمرشد الجمهورية، آية الله السيد علي خامنئي، يشعر بضرورة احتواء حالة التجاذب بين أطراف السلطة وذلك باستيعاب توجهاتها وتأكيد ما هو مشترك بينها· وما دامت سلطة القانون هي المرجع لجميع الأطراف فيجب السماح للقانون بأن يأخذ مجراه في قضايا الخلاف· والرئيس السيد محمد خاتمي يؤمن بحكم القانون ويلتزم به، وكثيراً ما قبل بحكم المحاكم حتى لو لم يكن مقتنعاً به· ولكنه يرى ضرورة تحديث النظام السياسي وحمايته من الممارسات الخطأ وتكييف المؤسسات لتكون قادرة على استيعاب المتغيرات “لتستطيع تلبية مطالب المواطنين”· ويعتقد كذلك أن مواجة التحديات الخارجية لا تتحقق إلا بتوافق جميع أجهزة النظام وهو توافق، في نظره، لا يتحقق إلا بالابتعاد عما يشوه صورة النظام في الخارج: “فإظهار صورة الشدة والعنف للإسلام، ومواجهة مطالب الناس وتخييب آمالهم، كل ذلك يوفر مادة رخيصة للأعداء” ولذلك فقد تعهد بالمضي في سياسة مواجة الفساد الإداري والمالي بأساليب حكيمة مؤكداً أن: من الضروري تحديد جذور الفساد وعناصره مع الحفاظ على كرامة الأشخاص “معتبراً أن محاربة الفساد” لاتعني محاكمة كل الجمهورية الإسلامية والثورة ومسؤولي الأمة· ولدى لقائه مع الإصلاحيين في مجلس الشورى اعتبر الرئيس أن “الثورة كانت مكروهة من أعدائها بشكل مستمر، فهم لا يقبلون نظاماً مستقلاً ملتزما بالقانون والديمقراطية ومؤسساً على المبادئ الإسلامية”· وأشار إلى دور الإمام الخميني في “تكريس القيم الدينية والروحية مع الاحتفاظ بحقوق الناس”·

وفي مجتمع يافع مثل إيران (التي يمثل الشباب فيها أكثر من 70 في المئة من السكان) ليس أمام المسؤولين إلا الاعتراف بتغيير الحاجات والأولويات، وبالتالي فالحفاظ على قيم الإسلام وتعليماته يقتضي حزماً ومرونة في الوقت نفسه· فخلال السنوات الثلاثين الماضية تضاعف عدد الطلاب الإيرانيين 32 مرة (من 47 ألفاً في 1971 إلى 5.1 مليون العام الماضي)· ونتيجة هذا النمو الواسع برزت ظاهرة البطالة كواحد من أكبر التحديات التي تواجه النظام الإسلامي اليوم· وهناك نحو 5.3 مليون مواطن (ما بين 15 و65 عاماً من العمر) من دون وظيفة، الأمر الذي يشكل خطراً على الاستقرار الاجتماعي والأمن· وخلال السنوات الأربع المقبلة سيضاف 5.5 مليون من خريجي المدارس والجامعات إلى الباحثين عن عمل، لتصل نسبة البطالة إلى أكثر من 20 في المئة· وهناك إدراك بأن الجانب الاقتصادي يمثل جانباً من التحديات الصعبة التي تواجه النظام الإسلامي في إيران· فإذا كانت سنوات الثورة الأولى محكومة بالشعارات التي ترفع قيم الحرية والأطروحات الأيديولوجية والأبعاد المثالية، فإن تحول الثورة إلى دولة مستقرة بعد انتهاء الحرب مع العراق فرض على المسؤولين مسؤوليات كبيرة تحتاج إلى سياسات حكيمة· وإذا كانت شعارات الإصلاح التي رفعت في السنوات الخمس الماضية قد خلقت واقعاً جديدا يطالب فيه المواطنون بتكريس مؤسسات المجتمع المدني والحريات العامة واحترام القانون فإن الرئيس خاتمي نفسه يدرك أن عليه أن يشبع البطون الجائعة ويوفر وظائف للعاطلين ومساكن للأعداد المتزايدة من الأسر الشابة، خصوصاً مع تصاعد ظاهرة النزوح من الريف إلى المدن وتصاعد حاجات الجيل الجديد· وتسعى إيران في الوقت الحاضر للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وسيخلق ذلك ضغوطاً أكبر على الاقتصاد الذي لايزال يعتمد بشكل أساسي على المدخولات النفطية، وسيواجه صعوبة في الارتباط بالاقتصاد العالمي الحر·

إن تصريحات الرئيس الأمريكي لا تمثل خطراً وشيكاً على الوضع الإيراني· بل ربما أدت إلى عكس ما تريده واشنطن· فقد أدرك الطرفان الأساسيان في المعادلة السياسية المحلية خطورة الوضع الخارجي وضرورة التفاهم والتعاون لمواجهة المحور الإسرائيلي - الأمريكي· وتدرك طهران أيضاً أن تلك التصريحات، التي انطلقت في الظروف التي تمت الإشارة إليها، ربما أضرت بالسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط· فليس الإيرانيون وحدهم هم الذين رفضوها بل انبرى من يدافع عنهم في عواصم العالم· فالاتحاد الأوروبي رفض إقرار تلك  التصريحات، وكرر خافيير سولانا، وزير الخارجية الإسباني السابق والمسؤول عن ملف الشؤون الخارجية والدفاعية في الاتحاد الأوروبي في مقابلاته الصحافية عدم موافقته على تلك التصريحات وقال إنها “في لغتي تصريح ليس له معنى، ولكنني أفهم أنه قد يكون له معنى في اللغة الأمريكية”· وفي الدورة الثامنة من المفاوضات الشاملة بين إيران وترويكا الاتحاد الأوروبي التي عقدت في مدريد يتوقع أن يتم التأكيد على تطويرعلاقات الطرفين برغم الموقف الأمريكي· وكانت المفاوضات قد بدأت في 1995 ووصفت آنذاك بأنها “نقدية” وتغيرت في 1998 لتصبح “شاملة”· وبهذه الشمولية تفاوض الطرفان حول قضايا كثيرة مثل الإرهاب وحقوق الإنسان وعلاقات إيران بدول الخليج وآسيا الوسطى ومشروع التسوية الأمريكي في الشرق الأوسط والمخدرات واللاجئين والطاقة والتجارة والاستثمارات· ومنذ ذلك الوقت قام الرئيس خاتمي بزيارات رسمية لكل من إيطاليا وفرنسا وألمانيا، بينما تطورت العلاقات بين بريطانيا وإيران لتصل إلى مستوى السفراء· ومع ذلك فلا تزال هناك مشاكل تعترض التجارة والاستثمار الأوروبي في إيران تتعلق بمشاكل قانونية وإدارية· وفي ضوء تصريحات الرئيس الأمريكي، كرر الاتحاد الأوروبي استمراره في التقارب مع إيران· وقال جونار فيجاند، الناطق باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية: “لدينا سياسة مختلفة وسنتبع هذه السياسة”· وسعى المستشار الألماني جيرهارد شرويدر لاستيضاح الموقف الأمريكي·

ومن جهتها، تشعر إيران بشيء من الاطمئنان للموقف الدولي الذي أصبح يتحسس كثيراً من السياسة الأمريكية التي تخضع لضغط اللوبي الصهيوني في واشنطن ونيويورك· وبينما اتهم المرشد السيد خامنئي الولايات المتحدة بأنها مارست “أغلب الأعمال الإرهابية ومعارضة الحركات الشعبية ودعم الأنظمة القمعية وبيع أسلحة الموت وهدر ثروات الدول الأخرى في السنوات الأخيرة” وصف الدكتور كمال خرازي، وزير الخارجية تلك السياسة بأنها “متعجرفة”، وبعث رسالة احتجاجية إلى السيد كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة·· وبشكل عام هناك رفض للتصريحات الأمريكية من قبل الدول العربية والإسلامية خصوصاً تجاه العراق وإيران لأنها تأتي في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات العربية - الإيرانية تحسناً كبيراً وتعاوناً سياسياً واقتصادياً وثقافياً واسعاً· وقد شهدت طهران أخيرا المؤتمر الأول لجمعية الصداقة العربية - الإيرانية بمشاركة مفكرين وباحثين من الجانبين، وتمت خلاله مناقشة القضايا المشتركة بصراحة· واستكمالاً لمسيرة التعاون والتكامل بين ضفتي الخليج، قام وزير التجارة السعودي، أسامة بن جعفر فقيه بزيارة إيران للمشاركة في اجتماع لجنة التعاون المشتركة بين البلدين· وقد تحسنت العلاقات بين البدين· خلال السنوات الخمس الماضية وهناك الآن مشاريع إنمائية مشتركة وتبادل تجاري متواصل وتنسيق سياسي في القضايا ذات الاهتمام المشترك· وثمة علاقات متطورة مع دول الخليج والدول العربية الأخرى تؤكد شعور الطرفين بالهموم المشتركة والمصير الواحد· ولا شك أن الإيرانيين أصبحوا قلقين من التطورات التي حدثت في أفغانستان، والتمركز الأمريكي على حدودهم· والأمل أن يؤدي الشعور بثقل المهمة التي يتحتم على إيران القيام بها نتيجة التطورات الإقليمية والدولية إلى اقتناع من يهمهم الأمر في طهران بضرورة احتواء الخلافات الفكرية والسياسية· ومن هذه التطورات تجدد الاهتمام الغربي بمحمد رضا بهلوي الذي لم يتخل عن المطالب بالحكم في إيران، هذا الاهتمام تجسد أخيراً في تسليط الأضواء عليه في وسائل الإعلام والتلويح به كبديل محتمل، كما حدث مع ملك أفغانستان السابق خلال الأزمة ومع أن الخطر الخارجي لايزال محصوراً بالتصريحات، فإن من الضروري أن تعي الأطراف المعنية في طهران أهمية سد الثغرات التي يلج منها أعداؤهم لإضعافهم وفي مقدمتها الخلاف المبالغ في إظهاره للعالم· فاحترام الحريات العامة والتمسك بالدستور والاحتكام إلى القانون، كل ذلك خطوات إيجابية ضرورية، ولكن العلاقات النفسية بين الفرقاء ضرورية لمنع تفاقم الأمور والحساسيات· إن بناء الدولة اليوم في قمة الأولويات ومن مستلزمات ذلك تفاهم أصحاب القرار وتعاونهم والاهتمام بالاقتصاد وتكريس قيم الإسلام وأخلاقه، والعمل على تطوير أوضاع الأمة الإسلامية من خلال التفاهم والتعاون ونبذ الخلافات· لقد جمع الرئيس بوش في تصريحاته بين العرب والمسلمين، وهي رسالة واضحة وصريحة أكدها بنقل قادة القوات الأمريكية الخمس (الجيش والطيران والبحرية والمارينز والقوات الخاصة) قبل يومين إلى الخليج لتكون قريباً من العراق وإيران، وهي رسالة لم يعد فيها غموض ولا تسمح بالتراخي، فليكن ذلك دافعاً للمزيد من التقارب والتعاون ليس بين ضفتي الخليج فحسب بل بين العرب والمسملين جميعاً·

�����
   

المطبعون مع العدو:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
صدام وبن لادن:
يحيى الربيعان
إرهاب:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
حوار الداخل!:
عامر ذياب التميمي
جسر البحرين!!:
سعاد المعجل
لقاء المنبر العاصف:
د. محمد حسين اليوسفي
منطق الاستبداد:
عبدالعزيز الهندال
الأمين العام والعراق:
المحامي نايف بدر العتيبي
عمليات المقاومة تجتاح العراق:
حميد المالكي
إرهاب الحاخامات!!:
عبدالله عيسى الموسوي
إيران: وفاق محلي وتقارب إقليمي لمواجهة التهديدات الأمريكية:
د.سعيد الشهابي
على طريق الديمقراطية:
رضى الموسوي
ضمير الكاتب وضيافة الأنظمة الشمولية!:
رضي السماك