| خطا ملك البحرين خطوة مهمة جديدة رائد على طريق تفعيل ميثاق العمل الوطني والدستور في اتجاه تمهيد الأرضية لقيام حياة برلمانية دستورية ديمقراطية جديدة كما وعد شعبه وذلك فيما يتعلق بشعار محاربة الفساد، إذ تم الإعلان عن تشكيل لجنة التطوير الإداري والرقابة المالية والإدارية في الجهاز الحكومي· وقد أسندت رئاستها إلى وكيل وزارة الدفاع الفريق الشيخ محمد عبدالله آل خليفة الذي أكد أخيراً في مؤتمر صحافي أن محاربة الفساد الإداري ستكون في صلب عمل هذه اللجنة وواحد من محورين رئيسيين يتمحور حولهما مهامها، وسيكون عمل هذه اللجنة ممهداً لقيام ديوان الرقابة المالية·
وعلى صعيد مواز آخر لهذه القضية، فقد أصاب ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة الذي عرف بتصريحاته الجريئة الشجاعة، كبد الحقيقة حينما أشار في معرض رده على سؤال حول محاربة الفساد الإداري في الحوار الذي دار بينه وبين المشاركين في مؤتمر جدة الاقتصادي إلى أن محاربة الفساد الإداري من الأهداف الطيبة ولتحقيق ذلك يجب الخروج من حيز القول إلى حيز العمل·
وتأكيداً لمصداقية كلامه فإنه إذا ما سلمنا ببديهية أن البحرين ليست بمستثناة عن سائر دول العالم الثالث المبتلية بهذه الآفة الخطيرة، فإننا نستطيع أن نفهم كيف نضجت الظروف الآن لانخراط البحرين في “المحاربة” للخروج من حيز القول إلى حيز العمل انسجاماً بالضبط مع ما ينادي به ولي عهد البحرين·
إن المتتبع للتقرير السنوي الذي تصدره منظمة الشفافية العالمية حول ترتيب دول العالم حوى مدى الفساد فيها يلاحظ ثمة تلازم مدهش بين الدول الشمولية والدكتاتورية والفساد حتى إن الدول الديمقراطية تأتي في آخر القائمة من حيث حجم الفساد بمعنى أنها الدول الأقل ابتلاء بهذه الآفة الخطيرة التي تتكاثر كما هو معروف في ظل غياب الرقابة البرلمانية والدستورية·
إن دول العالم الثالث المبتلية بهذه الآفة ولاسيما “الشمولية” منها هي أكثر الدول معاناة في التنمية الاقتصادية ولاسيما الدول المعروفة بضعف دخلها القومي ومحدودية مواردها وثرواتها الطبيعية والبشرية، فهنا المأساة مضاعفة، وذلك أن الدول ذات الثروات العظيمة في بعض المواد الخام الاستراتيجية كالنفط وبما تحققه من دخل قومي كبير قد لا تظهر فيها مخاطر هذه الآفة “الكارثية” سريعا على عائدات الدخل القومي ومستوى معيشة هذه الشعوب·
وكلما ساءت سمعة دولة من الدول بهذا المرض الآفة ضعفت ثقة المستثمرين العالميين فيها وخصوصاً أولئك الذي يعون جيداً أهمية الأدوات الرقابية الدستورية في حماية حرية المنافسة العادلة في اقتصاد السوق بعيداً عن كل أشكال “الرشوة” والابتزاز السياسي استناداً إلى نفوذ أصحاب صنع القرار· وكل هذه الأمور مرتبطة بإشكاليات غياب الديمقراطية·
ومنذ أن أطلق ملك البحرين مبادراته التاريخية الشجاعة بإصدار الميثاق الوطني وعرضه على الشعب للتصويت عليه ثم التصديق عليه من قبل سموه علاوة على إخلاء السجون من جميع السجناء والمعتقلين وعودة المنفيين والمقيمين من الخارج وإلغاء قانون أمن الدولة، منذ ذاك ومختلف وسائل الإعلام البحرينية تتمتع بشفافية نسبية أكبر في تناول هذه الظاهرة المقلقة الخطيرة ذات الوطأة التاريخية الثقيلة المزمنة وتفاقمها· وقد تابع المراقب للشأن البحريني حوارات شجاعة قيمة حول هذا الموضوع في التلفزيون والصحافة المحلية، بل إن هذه الأخيرة رصدت بعض هذه الظواهر في الجهاز الإداري الحكومي·
لكن يظل السؤال بأنه في ضوء إحساس وإدراك الجميع بأن ما تم تناوله مازال لا يلامس هذه القضية الآفة المزمنة سوى ملامسة سطحية دون التوغل في عمقها ودون تقديم نماذج “هامورية” (اسم بعض كبار الأسماك في الخليج) من ضحايا “الهوامير” فإن السؤال الذي يطرح نفسه:
هل تأذن هذه الخطوات الشجاعة التي خطاها ملك البحرين للخروج من حيز القول إلى حيز العمل فيفتح هذا الملف نصف المفتوح كاملاً على مصراعيه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المال العام البحريني وخصوصاً أن البحرين تعيش في أدق ظروفها المالية والمعيشية الصعبة؟!
* كاتب بحريني |