| تبدو الرسالة التي وجهها ستون شخصا من المفكرين والسياسيين والأكاديميين الأمريكيين للعالم العربي، والمنشورة في جريدة “السفير” اللبنانية 16-2، تبدو من التركيز الشديد بحيث يصعب إيجازها بجمل عدة، حيث إنها طرحت أفكارا في غاية الأهمية، وبصورة تستحق الإعجاب لقدرتها الفائقة على تلخيص الأزمة (أحداث 11 سبتمبر) وتفاعلاتها في العالم من جهة ولنظرة العالم الغربي لنفسه ولغيره بالوقت نفسه تأسيسا على ما بعد الأحداث·
تطرقت الرسالة بإيجاز لما سمي بالمبادئ الكونية، والتي شددت على الكرامة الإنسانية والحرية الدينية والشخصية والمدنية، والمحاججة المقنعة عند البحث عن الحقيقة، الأمر الذي يشكل أهمية كبيرة في بلادهم التي يرمز لها بتمثال الحرية!
كما تطرقت الى نوع من الانتقاد والتقييم الذاتي للمجتمع الأمريكي كالنمط الاستهلاكي المؤذي وزيادة الحرية التي تؤدي الى عدم انضباط اجتماعي يخلق أفرادا كليي السيادة لا يدينون بشيء للآخرين والمجتمع والخ···
ولكن الشطر الأكبر من الرسالة خصص لفكرة الحرب ما بين الإدانة والمشروعية، ولتغطية تنظيم القاعدة وما قاموا به من تفجيرات 11 سبتمبر المعروفة، إضافة الى نقد فكرهم المبني على كره الآخر والنيل منه باعتباره “ضد”·· ورغم مناهضتهم للحرب التي تمثل برأيهم “فشل الإنسان السياسي” إلا أنها تعتبر مشروعة عند الدفاع عن البريء المستضعف·
وتوجه الرسالة أخيرا نداء الى المجتمعات الإسلامية لقبول مفهوم الصداقة مع العالم العربي من أجل كلا الطرفين ولإحلال مجتمع عالمي عادل· وإذا كان أحد أغراض الرسالة هو إقامة حوار مع العالم الإسلامي للوصول الى صيغة تفاهم حول الأوضاع الراهنة والعلاقة المستقبلية، فإنه يطيب لي أن أسهم في هذا المجال، وليكن ذلك مؤسسا على نقطتين، الأولى موقف العرب من العولمة، والثانية المعلومات التي وردت في مقال الكاتب محمد حسنين هيكل في جريدة “السفير” اللبنانية·
تمحورت علاقة العرب بالغرب بالسؤال التاريخي، لماذا تأخر العرب وتقدم الغرب عليهم؟ وهكذا كان الجواب على ذلك السؤال وبالتالي محاولة اللحاق بالغرب هو الشغل الشاغل والهم الأكبر لأكثر المثقفين والمفكرين العرب· وبطبيعة الحال وقف العرب تجاه الغرب موقف المتوجس والمجروح (إثر الاستعمار الغربي في بداية القرن الماضي) والرافض لعالم الغرب، والذي خيل إليه أنه بصدد ابتلاع دوله وثقافاته والخ··
والعالم العربي إن كان باستطاعته أن يتخذ هذا الموقف الحذر والمدافع في بداية الأمر، أي من زمن التحرر وحتى بداية التسعينات، فإنه يبدو مستسلما وخائر القوى في اتخاذ موقف دفاعي في عصر العولمة· وإذا كانت العولمة في أحد تعريفاتها، الذي يذهب الى أنها سيرورة تدويل رؤوس الأموال وتعميم أنماط الإنتاج والاستهلاك على مستوى العالم بأسره، وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات على أهم القطاعات الاقتصادية والانتصار الكوني لاقتصاد السوق والتطور الخارق للمألوف للمبادلات الدولية وللسيولات المالية·· والخ وإنها بذلك تلغي كل الحدود ما بين دول العالم·· تبدو العولمة الثقافية من أكثر المجالات صعوبة، حيث إنها تعبر عن القومية والوطنية، ولذلك فهي آخر العوامل خضوعا· ولكن العولمة الآن أصبحت واقعا لا مناص منه، وبأن التغيرات المختلفة الواقعة في العالم لا بد وأنها مؤثرة على العالم العربي، فإنه يحسن بها أن تكون لها مصداقية، حتى يسهل التغيير والتوافق مع معطيات العالم الجديدة وتقبلها، فأين نحن من مصداقية الخطاب الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر؟
والنقطة الثانية تأتي من مقال الكاتب محمد هيكل، حيث يقف شاهدا على ما حصل في أفغانستان، منذ بدء التورط الروسي وحتى بدء التورط الإسلامي الأصولي، مستندا في ذلك الى الكتابات الغربية نفسها، مثل كتاب “الحروب غير المقدسة، أفغانستان أمريكا والإرهاب الدولي” لمؤلفه الأمريكي “جون كولي” والذي نشر في عام 1999، وأيضا كتاب “غسل الأموال، وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والمخدرات والصحافة” للمؤلفين الكسندر كوكير وجيفري سان كلير وهو ببساطة يبين بالتوثيق سواء بالأحاديث الشخصية أو بالأحداث المدونة كيف قامت المخابرات المركزية الأمريكية بدفع كل من باكستان والسعودية ومصر، كل بحسب مصالحه ومطامعه الخاصة للتدخل في أفغانستان وذلك بحجة محاربة الإلحاد! ويبين هيكل بتسلسل كيف قامت المخابرات الأمريكية بقلب الأوضاع في أفغانستان من أجل إخراج الاتحاد السوفييتي، ولم يخطر في بالها إذ ذاك ولم نسمع بأي من المفاهيم المطروحة الآن في الخطاب الأمريكي الحالي كالديمقراطية والكرامة الإنسانية والحرية الدينية وغيرها·
ويكشف المقال كيف استطاعت أمريكا بسبب من ذكائها أو غبائنا، أن تحمل باكستان والدول العربية (عبر صناديق التبرعات الخيرية والزكاة) كل نفقات عمليات الجهاد الإسلامية في أفغانستان ومن دون أن تظهر هي علانية في الأحداث مستغلة بذلك تجارة الأفيون والأساليب السياسية القذرة في الوصول لأهدافها· ولكن بعد خروج الاتحاد السوفييتي من أفغانستان، تترك الولايات المتحدة المنطقة عرضة للفوضى والانقسامات وللضياع·
وهنا بالضبط نلمس ما فعلته الولايات المتحدة من تمهيد لقوى التخلف، لإفساد الأرض والإنسان والفكر، ليتمثل لنا المسخ الإسلامي بن لادن وأتباعه!
كيف يحق لأولئك المفكرين الأمريكيين الستين أن يتحدثوا عن الخطاب الأمريكي وأي مصداقية بقيت لهم، وأين كانت ضروراتهم الأخلاقية عند ذاك؟
إننا نقبل تلك الرسالة على أن توجه لكل من المجتمع العربي والمجتمع الأمريكي ذاته·· حيث يعتبر ذلك اعترافا بالجريمة وتقاسم الذنب، عما جرى على أرض أفغانستان، إن المساعدة في نشر الفوضى الإنسانية والاضطرابات العرقية والقبلية في بلد ما لهو بمثابة اعتداء سافر على حياة هؤلاء البشر، ولكنه اعتداء لطيف بطيء المفعول، حديث التقنية ولكنه يماثل الضرر الذي ألحق بمركزي التجارة ومبنى البنتاغون في الولايات المتحدة بسبب التفجيرات والأرواح التي أزهقت من جراء ذلك· لكل سلاحه ولكل وسيلته، ولكن الغاية هي نفسها، التلاعب بحياة البشر وكرامتهم·· نحن هنا نقف وإياكم على المستوى نفسه·· فلا ظالم ولا مظلوم ألسنا في عالم واحد وفي عصر العولمة؟ إن الجهل، سواء الجهل الطبيعي أو التجهيل وإخفاء المعلومات، هو سبب البلاء الكبير·· والجهل الطبيعي هو جهل الجماهير في عدم معرفة وربط المعلومات والوقائع التاريخية، والتجهيل هو من قبل الرؤساء والقادة تجاه هذه الجماهير· فهل نشهد خطابا أمريكيا جديدا مبنيا على الشراكة الإنسانية في الكرامة والواجبات؟ هذا ما نأمله· |