| انتهت الحرب العالمية الأولى في العام 1918 ليوقع المنتصرون فيها معاهدة فرساي 1919، التي أعلنت النهاية الرسمية للحرب العالمية الأولى· وقد وقعت ألمانيا في العام 1923 على خمس معاهدات مع الحلفاء شكلت جوهر تلك المعاهدة التاريخية!! أهم ما جاء فيها هو معاقبة ألمانيا واعتبارها السبب الرئيسي في إشعال تلك الحرب، فكان عليها أن تعيد الأراضي التي احتلتها من فرنسا وبولندا وبلجيكا، وأن تتحمل ذنب تلك الحرب العالمية، كما أن عليها - أي ألمانيا - أن تدفع تعويضات للمتضررين وأن تقلص وبشدة من استعداداتها العسكرية، وأن تتخلى عن مستعمراتها في آسيا وإفريقيا!!
في ذلك الوقت أي عند توقيع اتفاقية فرساي، شكك الكثير من الساسة والمؤرخين في جدوى مثل هذه المعاهدة ومقدرتها على تحقيق سلام أو استقرار عالمي!! بل لقد اعتبرها البعض بمثابة الهدنة بين جبهات متقاتلة ومتحاربة لم تحسم مسببات النزاع ولا أسبابه!!
اليوم والصراع العربي - الإسرائيلي في أوجه يُذكرنا الزميل “دبي الحربي” في مقالة نشرتها “الطليعة” في عددها الصادر بتاريخ 16 مارس بتلك المعاهدة حين اعتبر قرار 242 بشأن الصراع العربي الإسرائيلي ما هو إلا هدنة ووقفاً لإطلاق النار!! وبأنه لا يُشكل حلاً حقيقياً لأنه يتحدث عن الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وتشمل أراضي مصرية وسورية وأردنية ولبنانية إضافة للضفة الغربية وقطاع غزة وكانتا ملحقتين بالأردن ومصر كإدارة موقتة بعد حرب 1948، وهذا القرار يهمل بالكامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 بل هو في صيغته الإنجليزية يتحدث عن “أراض احتلت عام 1967”·
يرى السيد “الحربي” أن على العرب التمسك على الأقل بقرار الأمم المتحدة لعام 1947 وهو القرار رقم 181 إذا كان لابد من التنازلات في حسم ذلك الصراع التاريخي، فهو القرار الوحيد الذي يحدد بالخرائط والإحداثيات الموثقة دولياً تقسيم فلسطين بين العرب الفلسطينيين والمهاجرين اليهود!!
أما القرار 242 للعام 1967 والقرار 338 للعام 1973 فلا يعتبران سوى قرارات هدنة موقتة!! وبالطبع فقد استعان الزميل “الحربي” بالخرائط التوضيحية والأرقام والجداول ليوضح تلك الحقائق الغائبة عن أذهان الكثير من العرب الناشئة!!
وبالفعل فقد نجحت الدولة العبرية في تحويل تلك الحقائق وتفريغ الحق الفلسطيني من مضمونه، ساعدها في ذلك التخاذل العربي على مستوى القيادات السياسية التي عاصرت الأزمة منذ نشأتها الأولى!! وأتذكر هنا قولاً لوزير الدفاع الإسرائيلي في العام 1967 حين رد معلقاً على طبول الحرب التي تصاعدت وتيرتها مع إغلاق الرئيس المصري آنذاك لمعبر “إيلات” حيث قال مهدداً بأنه سيجعل العرب إذا ما قامت الحرب ينسون حدود الـ 1948، ويطالبون بحدود أخرى ستكشفها الانتصارات الإسرائيلية المقبلة· وبالفعل فقد خرج العرب من حرب 1967 مهشمين ومبعثرين!!
إن المعضلة الحقيقية التي يواجهها العرب الآن أنهم لم يتنازلوا عن حقوقهم في القرارات الدولية الصادرة منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي فحسب، بل لقد أعلنوا الاستسلام في مسلسل معاهدات السلام التي أخذت فيها الدولة العبرية نصيب الأسد فيما حجبت عن العرب حقهم في أدنى الحدود المعقولة·
كما أن المشكلة تكمن كذلك في رفض إسرائيل الآن لأي مشروع سلام لقناعتها بأن ذلك يهدد بصورة مباشرة مستقبلها في المنطقة!! فعلى الرغم من مشاركتها كدولة في مباحثات السلام التي قامت فإن العقول الإسرائيلية ترى في القوة والحرب مصدرين لتحقيق أمن واستقرار تعجز عن أن تحققهما مباحثات أو مفاوضات سلام!! وقد أشار الكثير من العسكريين الإسرائيليين إلى ذلك وفي أكثر من موقع، آخرها كان في تصريح “يعقوب عميد رور” قائد الكليات العسكرية حيث قال: “إن منظومة العلاقات بيننا وبين الفلسطينيين في المستقبل القريب ستقوم على القوة باعتبارها العامل المركزي وعلينا نحن أن نقوم بذلك بأقل ضرر ممكن لأنفسنا” واضعاً - على حد تعبيره - نصب عينيه ما قاله تشرشل للورد هاليفكس الذي اقترح عليه أن يتفاوض مع هتلر بوساطة الإيطاليين “إن الشعوب التي تسقط في الحرب تنهض من جديد أما تلك التي تذهب للمقصلة كالخراف فإنها ستزول”·
نتمنى أن لا تشكل الجهود العربية نحو السلام طريقا سالكاً نحو المقصلة بعد أن سقطت جهودنا العسكرية· |