| كيف يمكن لطبيعة العمل أن تؤثر في الإنسان، فتخلق منه عنصرا جديدا مختلفا ومخالفا لما عهد عليه، كيف يمكن للمهنة أن تغير الإنسان من بدوي متنقل، يتغير عنوانه كلما توفر مغنم وصيد جديدان، الى عامل كادح يجوب العالم ليعود للوطن مثقلا بالآلام والعطايا، يزفه الحنين والفرح، في لقاء الأهل والأحبة·
في تلك الفترة انفتحت الكويت بحكم موقعها الجغرافي على البحر وتميزت كميناء مميز يتوسط دولا مهمة كالهند وبلاد أفريقيا· وهكذا كانت تعتمد على نقل البضائع بين تلك الدول، الأمر الذي أثر على نفسية الكويتي، فاتسم بطبيعة سمحة ولكن بقوة وصلابة واجه بهما مخاطر المهنة وصعابها، كما فطر على الأنفة والاعتماد على النفس والاعتداد بها بغير تعصب بحكم علاقاته وتعامله مع أجناس مختلفة كثيرة·
وعلى هذا الأساس كان الكويتيون الأوائل في طليعة الخليج في مجال التطوير والتنمية، ففي مرحلة اكتشاف النفط تطور ذلك البحار المكافح الى إنسان منفتح على العالم مرتكزا على “حرفنته” السابقة، وكان للطبقة الكويتية الميسورة الدور الوطني التنموي نفسه الذي مارسته أيام البحر والغوص، فازدهرت أنذاك الكويت، معتمدة على تلك العقلية المنفتحة· وتوجت تلك الفترة الحاسمة تاريخيا بتولي المرحوم الشيخ عبدالله السالم مؤسس دولة الكويت الحديثة وباني مؤسساتها الدستورية مقاليد الحكم·
فإذا كانت هذه حال الكويتيين في السابق، فما الذي تغير الآن، لماذا طغت قيمة المادة على كل القيم، وعلى اختلاف المذاهب والملل لتصبح هي القيم على كل شيء، اختفت منا قيم كنا نقدسها ونجلها كقيمة تحصيل العلم والعمل والجهد والاجتهاد، إن هذا اللهاث وراء المادة هدم كل القيم الإنسانية السامية التي تبني الأمم والحضارات· هذا الجهد الذي يجعل الناس في الدول المتحضرة تقف وتصطف صفوفا طويلة، مئات الأمتار لكي تصل وترى ماذا فعل الإنسان وماذا قدم للحضارة البشرية، في كل متاحف العالم يقف الناس إجلالا لرؤية الجهد الإنساني ومآثره، فاجتهاد العقل البشري يجل لما قدم وما مثل من علم وهندسة وبناء وفن·· روعة وجمالا·
صحيح لم نسمع بحضارة قامت على أنقاض الرمال، ولم يقم فن من عطش أو جفاف ولكن بإمكاننا أن نمد يد التعاون مع تلك الحضارات إعجابا وإسهاما ومساعدة، فالعالم أصبح من الصغر جدا، لا يمكن الانعزال عنه أو حتى تجاهله ماذا تكون حال الإنسان لو فُقد ذلك الجهد قيمته ماذا تكون الحال لو فقد الجهد كلية وسقط الرمز والمثل من التلميذ في المدرسة حتى كبار المسؤولين فإنه ببساطة لا فائدة تُرتجى منه، وقديما قيل “إذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص”·
فلكل مرحلة تاريخية رمز يدل عليها ويمثلها مهما اختلفت أهمية ذلك الرمز بالعظم أو الصغر، فأين الرمز؟
إن الشعور باللا أهمية والهامشية شعور قاتل، أو يكون ذلك الاحتفاء بالمخدرات والجنوح بالخيال، كما يقال، محاولة لإقصاء الواقع الخانق، والهروب منه!
لذا نريد من يرد الأمور الى مكانها الطبيعي، ونريد من يقدم مثلا وقدوة حسنة يحتذى بها، نريد أن ننشد الكويت بقلوبنا لا بألسنتنا، وأن نحضن الكويت ونصونها، فإما هكذا وإما أن يتحول مجتمعنا الى متحف بحد ذاته، ولكن من دون رواد أو زائرين! |