| بداية لنعرف ما الحداثة؟ اتفق الكثير من النقاد على أن الحداثة غير محددة على نحو يدعو للإحباط، ومع ذلك نستطيع أن نقول إنها بشكل عام ظاهرة تاريخية ثقافية، وهي تلك الحيوية المبدعة لمجتمع تخطى التقليدية، مخلفا التقاليد الإقطاعية القديمة، ومحررا ليس فقط العلم والصناعة، بل أيضا الإمكانات التجريبية للذات الفردية·
وقد بدئ في استخدام تعبير “الحديث” في أواخر القرن السادس عشر، واعتبر حالة من التغير للأفضل وقد تطور المفهوم في القرن التاسع عشر، ليعني كل ما هو مرغوب وتقدمي الى حد كبير، فيظهر الأديب أو الفنان التشكيلي أو المؤلف الموسيقي كرافض للأشكال الثابتة والسلطة الثقافية المستقرة للأكاديميات·
وقد أدى تطور وسائل الاتصالات ووجود عواصم تتخطى القوميات لفنون وآداب بلا حدود، كما عمل على تعزيز حريات استثنائية في التعبير، أحيانا في وسط مجتمعات تقليدية منغلقة، والذي اعتبر نوعا من النضال· والحداثيون يتوقون للون جديد من الفن أساسه الإبداع، ولا ينشدون حداثة “مستقبلية” تعيد بعثا إنسانيا جديدا! كادعاءات الطليعيين·
ففي مجال الشعر مثلا تخلص التيار الحداثي من القواعد القديمة للقوافي والتفعيلة التقليدية، وأطلق شعرا حرا مسترسلا بلا قيود·· وعمل على إظهار روح الشاعر، والأديب عموماً، بشفافية تشف عما بداخله من مشاعر حرة دونما لجوء للرمز، متخلصا بذلك من أغلال الاتجاهات الفلسفية والدينية التي كانت تسيطر على الرمزيين·
أما مصطلح ما بعد الحداثة فقد نشأ من ريادة الحرية، في عالم متسارع الوتيرة والأحداث والتناقضات، الممنوحة لكل من الفن والأدب والثقافة بصورة عامة· ويعرفها البعض بأنها الناتج السيئ· أو عصارة الأشياء البالغة السوء التي خلفتها الحداثة· ويميز البعض بين الحداثة وما بعدها، بأن الأولى هي لأصحاب الميول العالمية والكونية، بينما الأخرى هي لذوي الاتجاه الهادف الى تعزيز المجتمعات المتعددة الثقافات بحيث لا تحاول الحكومات فرض التوحيد، مكتفية بترك الناس يعيشون هوياتهم الوطنية وخصوصياتهم الثقافية· وذهب البعض الى أبعد من ذلك فوصفها بأنها الفن الوضيع، قياسا الى الفن الرفيع (أي الحداثة)·
فما موقعنا نحن من الحداثة؟ استبق العرب في مصر وبلاد الشام والعراق بقية الدول العربية الأخرى في هذا المجال سواء بالأدب والاجتماعيات فظهرت منذ بداية القرن العشرين أسماء الرواد كسلامة موسى وطه حسين وعمر فاخوري في الأدب، وظهر محمد عبدالوهاب والرحابنة في التأليف الموسيقي، أو حسن فتحي في المعمار والخ·· أما في الخليج العربي، فنلاحظ أن الحداثة التي نشأت لدينا لم تستمر لفترة كافية لتعزيز البنى الثقافية·· حيث إن الطفرة النفطية أعطت نموذجا فريدا وشاذا للحداثة في الخليج·· فلا نستطيع أن نسمي تجارب فردية قليلة بأنها مرحلة حداثية ولفترة زمنية قصيرة نسبيا، صحيح أن هناك روادا كباراً لتجارب ريادية، كالتي نلحظها عند المؤلف الموسيقي عبدالله زكريا الأنصاري، والتي تضمنت في إحدى مجموعاته مقطوعة بعنوان “السباحة ضد التيار” وهو عنوان يحمل دلالة كبيرة، كما أننا لا نعني حداثة مسرح صقر الرشود في أعماله الفذة والمبدعة·· أو بعض الكتابات، النسوية لليلى العثمان أو عالية شعيب فتلك وغيرها، على أهميتها، إلا أنها لم تأخذ حيزا زمنيا كافيا للتقييم، فلم نسمع مثلا كاستمرارية، بمسرحية تتناول الوضع الكويتي - العراقي من وجهة نظر قومية شعبوية لا نظامية، كأن يكون اسم المسرحية مثلا “سنصالح”! هذا طرح حداثي يبتعد عن الموضوعات الكويتية المطروقة سابقا·
الملاحظ أن هناك قدرا كبيرا من الحرية الفردية والخصوصية الثقافية لدول الخليج بدفع من الطفرة المادية، وهذا ينسحب على مجمل الأوضاع الثقافية بدءاً من الأغاني العاطفية الشعبية الى المجلات والجرائد اليومية، الأمر الذي أوصلها مباشرة الى مرحلة ما بعد الحداثة إن جاز التعبير· لعلنا في ذلك فتحنا أفقا للمجادلة والتباحث، وإتاحة الفرصة لمناقشة أمور الحداثة في الساحة المحلية· |