| مع تزايد حدة الصراع الدموي داخل الأرض المحتلة، ومع بروز دور أمريكي متعصب للطرف الإسرائيلي، ومع استمرار حالة القلق بين أمريكا وحلفائها في الخليج يأتي الوضع الكويتي أكثر الأوضاع حرجا وحساسية!! فالكويت الآن وفي ظل الظروف الدولية القائمة أصبحت بين فكي تناقض شرس ومخيف!! فك يشدها الى دورها العربي وواجبها نحو نصرة القضية الفلسطينية، وفك آخر يجذبها نحو التزامها الأخلاقي مع الولايات المتحدة التي لا ينكر أحد دورها في إقامة تحالف دولي سياسي وعسكري أنقذ الكويت وأهلها من براثن طاغية بغداد، وعلى الرغم من ذلك فلقد أثبتت الكويت أنها ملتزمة بقضاياها العربية كما كانت دائما وأنها قادرة على أن تنهض وتصارع مناخ التناقضات الذي أفرزه الموقف الأمريكي المؤسف تجاه ممارسات شارون الإرهابية!!
ولقد انعكست حساسية الكويت على الموقف الشعبي تجاه الأحداث فتفاوتت المواقف والآراء بين متصلب معاند لا يرى سوى وجها واحدا للأحداث السياسية وتداعياتها وبين محنك مهادن يرى الوجوه كلها!!
وبحيث أصبحت الساحة الكويتية مفتوحة لمشاحنات، وسجال كان أكثره عقيما ومجدبا انحرف عن الطريق الصحيح وتحول الى صراع بين الليبراليين باعتبارهم أكثر المؤيدين للسياسة الأمريكية وبين الأصوليين كونهم يرون في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب حربا موجهة ضدهم مباشرة ولمعاقلهم سواء في الكويت أو خارجها!!
في كتاب صدر أخيرا (2001) للكاتبة “مريم جويس” وهي أستاذ مساعد للتاريخ في جامعة “بوردو” في “كالوميت” تعطي فيه الكاتبة ملخصا موضوعيا وموثقا للكويت بين (1945-1996) من رؤية إنجليزية - أمريكية، ويحوي هذا الكتاب على الكثير من التفاصيل الكويتية التي توضح لنا وبصورة مجهرية كيف استطاعت الكويت أن تتعامل مع مواقف حساسة في تاريخها لم تكن أقل حساسية من الموقف الراهن!! فعلى سبيل المثال قامت الكويت في أثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1918) بالوفاء بتعهدها الذي قطعته للندن آنذاك ولم تستجب لنداء العثمانيين الى الجهاد المقدس ضد بريطانيا التي عملت فيما بعد على حماية الكويت من هجوم الوهابيين آنذاك الذين اضطروا أن يعودوا إدراجهم بعد أن ألحقوا إصابات فادحة وخسائر بليغة في قرية الجهراء!! كما استطاع الشيخ عبدالله السالم أن يتعامل بحكمة إزاء تصاعد القلق لدى البريطانيين من الوجود الأمريكي المتزايد في المنطقة (1952)· استطاع أن يساير الأمريكيين بحذر خصوصا بعد أن أصبحت حصة الأمريكيين من امتيازات النفط في الكويت مقاربة جدا لحصة البريطانيين!!
أما فيما يتعلق بدورها العربي فقد استطاعت الكويت أن تساند مصر في العام (1955) على الرغم من ظروفها السياسية آنذاك المتمثلة بكونها تحت الحماية البريطانية، حيث قدمت تبرعات سخية لتمويل عملية التسلح المصري، وهي التبرعات التي أشادت بها آنذاك الصحافة المصرية!! وقد انتاب القلق آنذاك “شركة نفط الكويت” حيال أمن العاملين فيها وعائلاتهم مع ازدياد الدعم الكويتي لجيش مصر وسوريا في العام (1956) خصوصا مع ما شهدته العلاقات المصرية البريطانية من تراجع وتدهور شديدين!!
وفي العام نفسه أثبتت الكويت حجم ولائها للقومية العربية حين طلبت من مكتب البريد أن يكف عن إرسال البريد الى إسرائيل أو استقباله منها على الرغم من أن البريطانيين كانوا يسيطرون على الخدمات البريدية في الكويت حينئذ!!
الكتاب مليء بالتفاصيل التي تؤكد قدرة أهل الكويت على التعامل بحكمة وضمير مع مواقف حساسة كالتي نحن بصددها الآن·
وعندما كانت بريطانيا إبان العدوان الثلاثي على مصر (1956) تشكل سندا سياسيا للكويت - كما هي الحال مع أمريكا اليوم - لم يمنع ذلك الكويتيين من الخروج بمظاهرات، واضراب عام يطالب البريطانيين المقيمين في الكويت بمغادرة البلدة وبوقف شحنات النفط الى بريطانيا· بل لقد شرع بعض الكويتيين آنذاك بالتعبير عن تضامنهم مع مصر بمقاطعة البضائع البريطانية كما امتنع بعض أصحاب الحوانيت عن تقديم خدمات للزبائن البريطانيين!!
إذا لقد استطاعت الكويت أن تصمد وأن تتفاعل مع أحداث حساسة عبرت بها خلال تاريخها الحديث والقديم!! كان معولها الوحيد في ذلك الصمود حكمة أهلها وبعد نظرهم فقط لا غير!! |