رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 22-28 رجب 1423هـ الموافق 28 سبتمبر-4 أكتوبر 2002
العدد 1546

قراءة في موقف المقاطعة للانتخابات البحرينية
رضي السماك
* ???? ??????

 

حينما نقول: إن القرار الذي اتخذته أخيرا أربع جمعيات بحرينية (الوفاق، والعمل، والتجمع القومي، والعمل الإسلامي) بمقاطعة الانتخابات النيابية الوشيكة هو قرار يفتقر الى قراءة سياسية واقعية معمقة للظروف والأوضاع السياسية الدقيقة الراهنة التي تمر بها البلاد والمنطقة والعالم فإن هذا الرأي بنيناه على مجموعة من الاعتبارات، أولها أن أصحاب القرار حصروا جل مبرراتهم في نصوص التعديلات الدستورية والقوانين الصادرة بعدها كقانون مجلسي الشورى والنواب، وغفلوا تماما المناخ السياسي الجديد الذي تشكل على الأرض منذ فبراير 2001 بعد التصديق على الميثاق الوطني، حيث تعيش البحرين منذ ذلك الوقت في جو جديد من الشفافية والانفتاح السياسي غير المسبوق تاريخيا، وهو جو آخذ في التكرس الى حد كبير، رغم ما يعترض المسيرة الإصلاحية من معوقات، ولولا هذا الجو لما أصدرت الجمعيات الأربع بيانها المقاطع علنيا وبكل حرية ولما تمكنت كل القوى والجمعيات السياسية من ممارسة أنشطتها من ندوات ومؤتمرات واجتماعات وإصدار بيانات مخالفة في أغلب الأحيان للدولة بكل حرية وأمان، ولولا هذا الجو لما ظلت السجون خالية من أي معتقل سياسي في واحدة من أكثر البلدان العربية عرفت بالاحتقانات السياسية على امتداد نصف قرن مضى، وهذه مأثرة أو ميزة ينبغي الإقرار بأنها لم تتحقق في أي بلد عربي مر بظروف حساسة وخطيرة طويلة من الأمن القومي الداخلي كالتي مرت بها البحرين· صحيح أن هذه الأجواء الجديدة تتم بناء على رغبة وحسن نية شخصية صادرة عن عظمة الملك المعروف برحابة صدره، وصحيح أنها - الأجواء - بحاجة الى مرجعية دستورية دائمة تقويها وتصونها، لكن من قال: إن النصوص أو المرجعية الدستورية في عالمنا الثالث هي صمام الأمان الوحيد الذي يقيد أي حاكم في العالم الثالث عن القفز عليها متى ما ارتأى أو شاء ذلك؟ وهنا من الأهمية بمكان التذكير بأنه حتى إبان عز الفترة النيابية القصيرة في أوائل سبعينيات القرن الماضي لم تتوافر أجواء من الحريات العامة النسبية ومن بينها حرية التعبير كالتي متحققة الآن منذ فبراير 2001، وأن دستور 73 حتى بمواد الحقوق المتقدمة التي نص عليها لم يكن حائلا دون إقدام القيادة السياسية على توقيف العمل ببعض مواده وحل البرلمان المنتخب·

ليس ثمة خلاف إذاً مع أصحاب البيان على المآخذ والثغرات في النصوص الدستورية والقانونية التي حرص موقعو البيان على تعدادها بل بوسع المنادين بالمشاركة الإضافة إليها أكثر من ذلك·

الخلاف هو في افتقار المقاطعين الى القدرة على تشخيص الواقع الراهن بكل تعقيداته محليا وإقليميا ودوليا ورسم الطريق الصحيح والأقل وعورة لتجاوزه دون تحميل شعبنا ما لا طاقة له بتحمله بعد سنوات التسعينيات العجاف·· هل هذا الطريق يتم عبر المقاطعة السلبية للانتخابات فيغدو السؤال الذي ما زال يتهرب منه المقاطعون: ثم ما هو برنامجكم للتغيير بعد المقاطعة؟ هل موقف المقاطعة هو القادر في الـظروف الراهنة الحساسة والمعقدة على حشد أوسع فئات الناس وأوسع اصطفاف من القوى السياسية والدينية المعبرة عن إرادة شعبنا بكامله وبوحدته الوطنية لتطوير العملية الإصلاحية؟ أم المشاركة هي التي تسمح ببناء هذا الموقف الوطني الموحد الذي تتقاطع من خلاله مصالح وآراء مختلف فئات وشرائح وطوائف شعبنا سواء المتحفظون منهم على التعديلات الدستورية ومراسيم القوانين ويبتغون تطوير العملية الإصلاحية من داخل التجربة الجديدة أو المؤيدون منهم لسقف العملية الإصلاحية دون أدنى تحفظ؟

إن كل المعطيات الراهنة تبرهن بقوة على أن استغلال الهامش المتاح من داخل البرلمان المقبل حتى مع كل ما يؤخذ على تركيبته وصلاحياته التشريعية مضافا إليه الهامش المتاح المتحقق على الأرض من الحريات العامة·· إن استغلال كل ذلك لبناء حركة سياسية دستورية شعبية شرعية معارضة فاعلة وبناءة من داخل التجربة البرلمانية بغية تطويرها لهو الطريق الأكثر واقعية ومنفعة من طريق المقاطعة الذي من الممكن أن يؤدي الى استقطاب طائفي غير محمود العواقب في الظروف الراهنة وهو طريق محفوف بالمخاطر وأقرب الى الانعزالية في ظل غياب البديل الواقعي·

رب سائل يسأل ما هذه الظروف الصعبة والمعقدة محليا وعربيا ودوليا التي بحاجة ماسة الى تمحيصها وتدقيقها جيدا لأخذها بعين الاعتبار قبل الإقدام على قرار المقاطعة؟

محليا: فإن شعبنا لم يتعاف بعد بما فيه الكفاية لتضميد ولملمة جراحه من أحداث التسعينيات الصعبة التي أنهكته أيما إنهاك، فهو بحاجة الى محطة استراحة لالتقاط أنفاسه، وبما يساعده على تعزيز وحدته الوطنية ببعديها السياسي والديني وبما يتطلبه هذا التعزيز من جو من الهدوء وتفادي شبح المواجهات أو المجابهات العنيفة منها والسلمية، وبالتالي فقرار المقاطعة في هذه الظروف يتنافى مع الحفاظ على هذه الأجواء·

إقليميا: فإن المنطقة تواجه تحديات أمنية خطيرة وبخاصة في ظل التهديدات الأمريكية بضرب العراق، وكل دول الإقليم منشغلة بهذا الحدث الجلل المتوقع أو بأمنها، ولا أحد له أي مزاج سياسي للالتفات الى قضية داخلية في دولة صغيرة كالبحرين مهما تفجرت وتعقدت أوضاعها، بل لربما الملوم أكثر في هذه الظروف قوى المعارضة عن الوصول الى هذا الوضع المتفجر مهما كانت مبرراتها الديمقراطية أو المشروعة، وقس على ذلك ما يتعلق بالظروف الدولية المتشابكة راهنا مع الظروف الإقليمية الملموسة·

ومن الوهم التعويل على المعارضات العربية والمنظمات الدولية المعنية بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان فالأولى، المعارضات العربية، فإن "الحال من بعضها" أي حدث ولا حرج عن حالها الممزقة، أما الأخيرة - منظمات الديمقراطية وحقوق الإنسان - فجدول أعمالها مزدحم في الظروف الراهنة بقضايا أهم وأخطر من قضية داخلية متفجرة قد تمر بها بلادنا الصغيرة، لا سمح الله، بفعل تداعيات "المقاطعة"·

صحيح أن المقاطعة هي حق وأنها لا تعني بالضرورة العصيان ضد النظام القائم واتخاذ هذا الموقف يصح بوجه خاص في دول الديمقراطيات العريقة لكن في دول عرفت بتاريخ طويل من الاحتقان السياسي والمواجهات بين الحكم والمعارضة تظل فرص ممارسة المعارضة من موقع المقاطعة وخارج اللعبة الديمقراطية القائمة هي فرص دائما محفوفة بالمخاطر والانزلاق الى شبح الصدام عاجلا أم آجلا، حتى لو كان ذلك بغير إرادة قادة المقاطعة وخصوصا حينما يكون لقواعد المقاطعين وأنصارهم منطق ومبرر خاص بهم للمواجهة إثر نفاد الصبر مما يفقد قادة المقاطعة السيطرة عليهم وهو ما حدث في التسعينيات أيا تكن جذور الأزمة والأسباب فيتحمل القادة وزر عفوية انفلات حركة الجمهور المحبط·

مهما يكن فإن أجواء الانفراج والديمقراطية هي وحدها التي تتيح بناء الحركة السياسية وتقوية عودها أو أجواء الاحتقان، فهي أكبر خطر على أمن هذه الحركات والنمو الديمقراطية ولقد سبق أن عددنا مزايا كثيرة للمشاركة، كاستغلال القوى السياسية فرصة الحملات الانتخابية لتعزيز صلاتها بالناس عبر مباراتها السلمية مع بعضها بعضا في البرامج الانتخابية، وكالحصانة التي سيكسبها النواب في مواجهة السلطة التنفيذية وجها لوجه في الرقابة على أعمالها وسياساتها، وستكون الصحافة والتلفزيون ملزمين أدبيا بنقل هذه المواجهات أمام الجمهور دون انتقائية أو حذف، إلا أن ثمة ميزتين آنيتين هما في غاية الأهمية ستوفرهما المشاركة لا يبدو أحد من أصحاب بيان المقاطعة التفت إليهما أو أولاهما عناية كافية: الأولى: التمثيل الشعبي السياسي الذي لا يرقى إليه الشك أو الطعن·

الثانية: فرض قنوات الاتصال والحوار الدائمة مع السلطة التنفيذية بعد انقطاع حقبة طويلة من الزمن ولا سيما في العقد الأخير من القرن الآفل·

تتبدل الاحتياجات والمطالب الآنية لكل حركة سياسية من مرحلة تاريخية - سياسية الى أخرى تبعا لظروف هذه الحركة فما يعد اليوم مطلبا آنيا وملحا قد لا يعد غدا وما هو ليس الآن مطلبا ملحا قد يكون غدا مطلبا ملحا يضاف الى غيره من المطالب الثابتة، فحينما نقول: إن مسألة "التمثيل الشعبي" الذي يمتلك شرعية محلية وعربية ودولية قوية غير قابلة للطعن هي من المزايا المهمة التي تدفع بأهمية تفعيل المرونة باتجاه المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، فلأن مسألة التحدث باسم الشعب كله التي اعتادتها حركات المعارضة العربية ردحا من الزمن، بل اعتادها حتى بعض قواها وأطرافها هي مسألة غدت اليوم حساسة وتتطلب الدقة والحذر، وبخاصة حينما يكون هذا الشعب يتكون من طوائف وفئات أو اثنيات وقوميات مختلفة فضلا عن تعدد وتنوع القوى السياسية·

وإذا كانت هذه الممارسة - التحدث باسم الشعب - شائعة في زمن صعود وقوة حركات المعارضة - أيا كان التيار المهيمن عليها - فإنها اليوم بحاجة الى المراجعة والحذر من قبل قوى هذه الحركات، لكن هذه الحركات أو بعضها في المقابل تستطيع أن تستمد من شرعية تمثيلها النيابي شرعية في التحدث باسم الشعب سواء على مستوى المجلس النيابي ككل أو حتى على مستوى كتل نيابية منه، فالنائب هو نائب باسم الشعب كله وليس نائبا لطائفة ما أو منطقة ما أو جمعية ما·

وتحت قبة المجلس يجري السجال وتلاقح الأفكار واصطفاف القوى واقتراب النواب من بعضهم البعض في جو أفضل من الحوارات عن بعد داخل الجوامع والمآتم والجمعيات والمجالس، حيث يظل كل طرف يغرد داخل سربه بعيدا عن الأسراب الأخرى، وهذه الإشكالية هي التي واجهت حقا المعارضة في التسعينيات ولا أظني بحاجة الى توضيح كيف أن طرفا بدا آنذاك وكأنه يأخذ على عاتقه وحده قضية شعب برمته والنطق باسمه!

أما فيما يتعلق بانسداد قنوات الاتصال بين الحكم وعدد من الرموز الشعبية فقد كان أكبر عقبة كأداء واجهت حركة التسعينيات الى درجة تحطمت أمامها كل محاولات هذه الرموز والقوى لفتح حوار مع الحكم بل ولو لتوصيل رسالة رأي رغم كل ما بذلته هذه الرموز - والحق يقال - من جهود حثيثة لصياغة رسائل وخطابات متعددة في غاية المرونة والتهذيب على نحو لم تقدم عليها ربما أي معارضة عربية أخرى، الأمر الذي ساهم بدوره في رفع درجة الاحتقان حينذاك·

وإذا كان الحكم لم يعدم قنوات الاتصال مع الرموز الشعبية التي يختارها في فترات الاحتقان فمن باب أولى أن تكون المؤسسة التمثيلية ورموزها النيابية الجديدة هي خياره الوحيد في عصر الحياة البرلمانية ومن المرجح أن تنسد قنوات الاتصال بين رموز المقاطعة والحكم بل قد قالها صراحة صاحب العظمة أخيرا في إيماءة تحذيرية لم يلتفت إليها أحد للأسف في حديث صحافي: "كيف يمكن الحوار مع من اختار المقاطعة؟"·

واليوم تبرز هذه الحاجة الآنية الماسة الجديدة وهي كسب مؤسسة شرعية دائمة هي عبارة عن قناة اتصال لا يمكن للحكم بأي حال من الأحوال تجاهلها وهي أفضل من الدخول مجددا في دوامة انقطاع الجسور وتعقد قنوات الاتصال وما يترتب على ذلك من تداعيات وسلبيات غير مأمونة العواقب·

وبعد، فإن البرلمان المقبل بمجلسيه - المعين والمنتخب - لا ينبغي النظر إليه كمجلس الشورى المعين السابق الذي لم تكن له أي سلطات تشريعية بل إن الجديد سيملك سلطات تشريعية كاملة وسيتأثر الشعب بما يصدره من قوانين سلبا أم إيجابا·· ومهما يكن من مآخذ على تركيبته فهو أفضل من مجلس الشورى السابق بما لا يقاس، ولا شك أنه أقل من قوة المجلس الوطني السابق لكنه بالتأكيد هو في منزلة بين المنزلتين، بمعنى إذا كانت قوى المعارضة في الظروف الراهنة قد عجزت عن إقناع السلطة بالوصول معها الى منتصف الطريق فقد وصلت الى ثلثه على الأقل، وهذه خطوات بكل المقاييس هي في ظل الأوضاع المعقدة الراهنة أفضل من لا شيء، وأفضل من انتظار سنوات طويلة أخرى للوصول الى منتصف الطريق!

رضي السماك

كاتب بحريني

�����
   
�������   ������ �����
قضية المرأة البحرينية
الإرهاب وصناعة "المجانين"!
قراءة أولية في الانتخابات العراقية
بئر الحرمان
أقوى دول العالم.. أغباها!
"تسونامي" بين الإغاثة والسياسة
من الأخطاء القاتلة للحركة السياسية البحرينية
اعتذار متأخر جداً!
فرنسا و"المنار"
العرب في ثلاث قوائم عالمية
الفساد الإفريقي والطفرة النفطية
كوبا بين التكيف والانهيار
مغزى فوز "ماثاي" بنوبل للسلام
كم يبدو العالم جميلا بتعدديته الثقافية الإنسانية؟!
القانون الأمريكي بعصمة اليهود!
قدسية العلم الوطني
دروس إغلاق "العروبة" البحريني
حماية المستهلك في البحرين
الزهور والظلام
  Next Page

الشركات النفطية ولجان التحقيق في المرضيات:
المحامي نايف بدر العتيبي
الانتخابات البرلمانية:
يحيى الربيعان
بل هم المنهزمون···:
عبدالله عيسى الموسوي
تحديات متراكمة!:
عامر ذياب التميمي
أين صوت الشعب العراقي؟:
د. محمد حسين اليوسفي
قراءة في موقف المقاطعة للانتخابات البحرينية:
رضي السماك
صدام يشتري حياته بأربعة مليارات دولار:
العراق قبل الضربة الأمريكية:
حميد المالكي
الشركات النفطية ولجان التحقيق في المرضيات: