| في العام الماضي وتحديدا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بدأ الكثير من رجال السياسة والمفكرين الغربيين الحديث عن ضرورة إحياء مشروع التحول نحو الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط كحل نحو بناء الاستقرار والرفاه في هذه المنطقة الساخنة· ففي مقال لـ “بنجامين باربر” نشرته “الفايننشال تايمز” يقول فيه: “إذا ما أريد للحرب على الإرهاب أن تنتصر، يتحتم على الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهم أن يفتحوا جبهة ثانية ذات طبيعة مدنية وديمقراطية· جبهة تعالج اليأس وانعدام الأمل اللذين يستغلهما الإرهاب بفعالية”·
كما كانت الدعوة نحو التحول الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط واضحة وجلية ضمن بنود “استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة التي عرضها الرئيس “بوش” على الكونغرس· والتي تضمنت استراتيجيات أمريكا الرئيسية لتحقيق أهداف التنمية والاستقرار منها مساعدة الدول التي تواجه تحديات الإصلاح الوطني ومؤازرة الحكومات التي تحكم حكما عادلا وتستثمر في مواطنيها، تحارب الفساد وتحترم حقوق الإنسان الأساسية وتبني حكم القانون، وتتخذ من الديمقراطية سبيلا أوحد نحو تحقيق الاستقرار والأمان·
قد لا ينكر أحد إطلاقا حتمية النهج الديمقراطي وأهميته في بناء مجتمع سياسي ناضج متكامل وقابل للنمو والتطور·
لكن للديمقراطية خصوصيتها التي تشترط في البناء الديمقراطي أن يكون من الداخل وليس من الخارج· بمعنى أنه لا بد وأن يكون للنظام الديمقراطي روافد ثقافية واجتماعية وسياسية تسنده وإلا انهار تحت أبسط وأقل عاصفة قد تثيرها المستجدات السياسية والدولية من حوله!! ولا يجب على العراق الذي عانى كل هذه المعاناة وتكبد كل هذه الحروب أن يخرج من تلك التجارب القاسية بديمقراطية تأتي بفعل قرار أمريكي أو غيره، أو تبقى في قمة الهرم السياسي وشأنا من شؤون النخبة فقط دون أن تلامس آثارها قاع المجتمع العراقي وقلبه!! ولعلنا لا نبالغ إطلاقا إذا ما قلنا هنا إن العراق الآن أمام فرصة تاريخية لتأصيل النهج الديمقراطي باعتباره المنقذ الوحيد من الديكتاتوريات المرعبة كجمهورية صدام حسين!! لذا فعلى المعارضة العراقية الآن - باعتبارها تملك حرية الحركة والحوار - أن تبدأ في طرح القضايا التي تواجه المعارضة وتفتح باب الحوار لما يتعلق بالقضايا التي تواجهها كقوى سياسية معارضة للنظام الديكتاتوري القائم· وأن تحرص أولا وقبل كل شيء على إرساء روافد الديمقراطية في العراق لكي يكون البناء صامدا ومتماسكا· عليها أن تضع احترام حقوق الإنسان والتعددية العرقية والطائفية واحترام مبادئ الدستور المتفق عليها كأبرز أولوياتها، وغير ذلك مما يرسي بناء يضمن فيه العراق عدم العودة الى تجارب سابقة كتجربته المريرة مع حزب البعث الحاكم أولا وأخيرا·
وإذا كان هذا هو دور قوى وأحزاب المعارضة العراقية، فإن على الولايات المتحدة باعتبارها الممثل الرئيسي لوجهة النظر الغربية دورا هي الأخرى لما يتعلق بالديمقراطية العراقية المطلوبة!! فالحديث عن ضرورة العمل بالنهج الديمقراطي من حيث الانتخاب والترشيح والمجالس البرلمانية في العالم العربي دون أن يسبق ذلك عمليات تأهيل تشمل المجتمع ومناهج التعليم ووسائل الإعلام وغير ذلك من نواحي تساعد في بناء الثقافة الديمقراطية· هو بلا شك مشروع تكون فيه الولايات المتحدة والغرب الخاسر الأكبر!! لأن الديمقراطيات العربية الراهنة التي قامت وفقا للتكوين السياسي العربي الحاضر ستولد مزيدا من الرفض للغرب، فهي جميعها نتاج بيئة سياسية ضيقة لم يكن في أولوياتها الحرية واحترام فكر الآخرين ورؤاهم!! والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، فمن جزائر جبهة الإنقاذ، الى ديمقراطية السودان المخضبة بالدماء إلى جماهيرية الفاتح من سبتمبر الغارقة في الجهل والإنحلال·
وطبعا لا أحد يريد للعراق أن تتمخض تجربته المريرة والدموية مع الدكتاتورية والعنف لتلد في نهاية المطاف مسخا باسم الديمقراطية· وتلك بلا شك مهمة أهل العراق من عرب وكرد وأقليات، ومساعدة كل الذين يقفون الى جانب قضية الشعب العراقي العادلة· |