| أعلم مدى الألم والإحساس بالنقص والشعور بالضعف الذي يهز كيان الإنسان وكرامته إذا لم يكن قادراً على الدفاع عن وطنه ونفسه وهو بحاجة لمن يقف معه ويساعده ويدافع عن وجوده وهويته وكيانه، خصوصاً إذا كان الواقف والمساعد والمدافع عنه أجنبياً غير عربي· قبل الثاني من أغسطس، لم نكن مدركين لهذه المسألة وكنا نحيا حياة سعيدة وعزيزة مرفوعي الهامة مستمدين رفعتنا وعزتنا من محيطنا العربي الذي - حسب اعتقادنا - يرفدنا بكل مقومات الوجود والأمان، الأمر الذي جعلنا نأمن ونستقر على أوضاعنا الداخلية وبالتالي استنهضنا هممنا للوقوف مع إخواننا العرب من المحيط إلى الخليج، وكانت القضية الفلسطينية هي قضيتنا الرئيسية ومن أجلها تعرضنا للكثير من المشاكل والتبعات وكانت مبادئنا ومواقفنا المؤيدة والواضحة للشعب الفلسطيني ولقيادته أمراً لا يمكن أن يختلف عليه إثنان، فلقد جّيرنا صحفنا وأجهزتنا الإعلامية ومؤسساتنا الرسمية والشعبية لمناصرة القضية الفلسطينية، وفعّلنا هذه المواقف باستضافة نصف مليون فلسطيني في وطنهم الثاني على صغر مساحته وقلة عدد سكانه الأصليين لضمان تدفق الموارد المالية لهم ولعوائلهم في الوطن المحتل حتى يبقوا متماسكين للحفاظ على نضالهم وقضيتهم وكنا من السباقين في دفع جميع الالتزامات المالية المقررة والمترتبة علينا وفق القرارات الصادرة من كل المؤتمرات العربية إضافة للمعونات والدعم المالي لكل المؤسسات والأنشطة الفلسطينية وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية التي انطلقت من الكويت وترعرعت وكبرت بفضلها وقدمنا كل هذا حسب إمكاناتنا وقدرتنا المحدودة لكننا لم نبخل أو نتهاون عن أي موعد عربي قط، ويمكن لكل مشكك لايعلم أن يعلم ومن غيرنا ليس منا·
وهبّ الشعب الكويتي لنجدة العراقيين إبان الحرب العراقية الإيرانية من منطلق القومية العربية وأعدنا إعمار الفاو وكان الشعب الكويتي صادقاً في مشاعره وهو غير مدرك أن المعتدي هو النظام العراقي الذي أساء باسم العروبة للشعب الإيراني الصديق الذي مازال يدفع ثمن دعمه لقضايانا العربية المعاصرة ولم نفق من هذا إلا عندما اجتاحت قوات النظام العراقي أراضينا الطاهرة وقتها أدركنا المنزلق·
بعد الذي حدث لنا في الثاني من أغسطس استيقظنا من حلمنا الجميل وتفاجأنا وانبهرنا من هول الواقعة والتفتنا ذات اليمين واليسار فلم نجد أحداً يناصرنا وحتى من ساندنا لم يقو على إعلان الحرب على الغازي لعدم قدرته لكنه عمل وقدم كل مالديه من دعم وكسب امتنان الشعب الكويتي للأبد· أمام ذلك لم يكن أمامنا إلا الولايات المتحدة الأمريكية سيدة العالم وبغض النظر عما تمثله فالغريق يبحث عن قشة، وأمام هدف سام هو تحرير أرضنا من براثن عدو جائر ومن أجل أن نحمل هويتنا الكويتية وأن نعود للوطن والبيت والمدرسة ومن أجل أن يكون لنا كيان قائم معترف به نؤثر ونتأثر بالكيانات الأخرى، يكون لنا وطن رحيم وهو ليس ككل الأوطان منذ نشأته فهو جنة خلدنا المنشودة التي افتقدناها والذي لن نرضى عنه بديلاً مهما كانت الأسباب ومهما كان الثمن فالأحمدي والفروانية وحولي والفيحاء، وغيرها من مناطقنا الجميلة تعادل الحياة بكل معانيها ولأجل هذه المعاني الجميلة والنبيلة ومن أجل البقاء والدفاع عن الوجود ارتضينا هذا الوضع ونحن غير مسؤولين عن ما آلت إليه الأمور على الساحة العربية بعد الغزو، فالذي أوصلنا إلى هذه الحالة هو غياب الديمقراطية والحرية والوعي ونظام صدام حسين ورفع الشعارات والمزايدة ونظرية المؤامرة، وليعلم العرب أنه بوجود هذا النظام لن يستقر الوضع في المنطقة وسنضطر مجبرين للاستعانة بالقوات الأجنبية لمواجهة الأطماع والتهديدات التي يمثلها هذا النظام حتى لوكنا نتجرع كؤوس المرارة وقبول أمر لن نسمح بقبوله لو لم نتعرض لهجمة غادرة واحتلال بغيض، ولن نسمح بالمزايدة على مواقفنا الوطنية ومن لديه شيء فليأت به ولنسمع صوتهم عالياً ويجيبونا من الذي أوصلنا لكل هذا· والله يحفظ كويتنا من شرور الغادرين·
nayef@taleea.com |