| سيبقى يوم الرابع والعشرين محطة كبيرة في تاريخ البحرين ·· تكشفت فيه كل الأوراق ·· أوراق الحكومة·· وأوراق الجمعيات السياسية والعاملين في الحقل السياسي، من شارك منهم ومن قاطع ··
يجب التوقف أمام لاعبين أساسيين ثلاثة: السلطة التنفيذية·· والجمعيات والشخصيات المقاطعة·· والجمعيات والشخصيات المشاركة·· وبالرغم من أهمية موقف الناخبين ·· إلا أن الكلمة الفصل لم تقل بعد·· حيث إنها ملك للفترة المقبلة·· لاختبار صحة مواقف كل الأطراف·
برزت حدة الأزمة السياسية منذ أن رفض الحكم السير بقواعد اللعبة البرلمانية عام 1975، فقد كان بالإمكان حل المجلس الوطني وإعادة الانتخابات لمجلس وطني آخر بعد شهرين من الحل حسب ما تنص على ذلك المادة 65 من الدستور·· لكن الحكومة اختارت طريقاً آخر: فرضت قانون أمن الدولة وحلت المجلس الوطني وعلقت أبرز مواد الدستور المتعلقة بالحياة البرلمانية ·· ووضعت نفسها بديلاً عن السلطات الثلاث·· لمدة تزيد عن ربع قرن··
وبالرغم من خطورة التحولات الكبيرة التي جرت في المنطقة منذ ذلك التاريخ·· إلا أن المحطة الأكبر التي تركت بصماتها على البحرين ولا تزال هو الغزو العراقي للكويت ·· والدخول الأمريكي والغربي الى ساحة الصدام المسلح·· وما أفرزه من تساؤلات كبيرة حول وقوف الأمريكان الى جانب أنظمة غير ديمقراطية ·· ووعد الأمريكان والغرب عموماً بأنهم سيقفون الى جانب الإصلاحات السياسية في عموم المنطقة·· ولن يشجعوا الأنظمة على استمرار نهجها غير الديمقراطي، ليس حباً في شعوب المنطقة·· وإنما لأن شعوب بلدانهم الديمقراطية ومنظمات حقوق الإنسان والبرلمانيين والأحزاب السياسية تطرح تساؤلات محرجة على الحكومات حول أوضاع دول مجلس التعاون الخليجي·
وكان مخرج الحكومة عام 1992 هو مجلس الشورى المعين·· ولم يكن ذلك مقبولاً من الحركة السياسية في البحرين··
وجاء السادس من مارس 1999 ليفتح صفحة في تاريخ البحرين بتولي صاحب العظمة مقاليد السلطة·· وكان من الضروري حل تداعيات الأزمة السياسية العاصفة التي شهدتها البحرين منذ 1994، والتوقف أمام الإشكالية التاريخية في العلاقة بين الحكم والشعب، وبالتالي مسألة المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي في البلاد·
وحيث إننا نعيد النظر فيما جرى خلال السنوات القليلة الماضية ·· يمكننا القول إن الفرملة قد بدأت منذ ذلك التاريخ·· كان من الضروري وقف العنف والعنف المضاد·· والبدء في الحل السياسي بدلاً من الحلول الأمنية··
وكم كانت عسيرة ومؤلمة تلك الحلول التي أرادت تركيع قوى المعارضة ·· العفو المشروط والمذل·· التوقيع على بيانات الاعتذار ··· الإرهاق النفسي·· الإذلال الإعلامي ·· اعتبار الحق مكرمة ··· حتى قرر الملك إيقاف هذا المسلسل واتباع الحل الإصلاحي الجذري:·· إلغاء قانون أمن الدولة ومحكمة أمن الدولة والعفو العام غير المشروط وما تضمنه من تبييض السجون والسماح لجميع المبعدين بالعودة··· والتقدم خطوة نوعية كبرى على صعيد المنطقة برمتها·· بل وعلى صعيد كثرة من بلدان الوطن العربي والإسلامي·· حل مشكلة البدون·· والمساواة القانونية أمام جميع المواطنين···
هذا الحل الجذري لتداعيات أزمة استمرت عقوداً لم يترك مجالاً لمن يريد الاصطياد في الماء العكر!! فقد أغلقت الملفات المذكورة··· وكان من الطبيعي أمام هكذا قرارات تاريخية أن يرتبك بعض المعارضين إما للاستسلام الكامل أو التفتيش عن ثغرات هنا وهناك أو السير بثقة كبيرة مع هذا النهج الإصلاحي·· ومن الجانب الآخر تتداعى رموز فاسدة وتهرب الى خارج البلاد·· لتنشر العفن وتثير علامات استفهام كبرى حول بقية رموز الفساد الذين يتم التعاطي معهم بأنصاف حلول··
ولكن المعضلة الكبرى هي المشاركة السياسية الشعبية في صنع القرار·· هي الدستور·· هي البرلمان والمؤسسات السياسية ·· ويبدو أننا في مرحلة أنصاف الحلول·· ولذلك ثارت الإشكاليات·· وهنا تكمن أهمية القوى السياسية التي تصر على الحل الإصلاحي الجذري والتي فهمت من الميثاق أنه خطوة نحو تحقيق المزيد من المشاركة الشعبية على غرار الديمقراطيات العريقة··· وبدأت مسيرتها مع الحكم على أرضية الثقة ··
بعد الانتخابات لنصف أعضاء المجلس الوطني يجب أن تكون الشفافية في العمل السياسي أكثر من السابق··
إن الخط البياني لتصريحات وسلوك ومواقف صاحب العظمة هو خط صاعد·· والصعود في العمل السياسي لا يسير بخط مستقيم·· هكذا يصنع التاريخ·· بالتواءات وتعرجات ومحطات ومنعطفات حادة·· لكنه صاعد··
ولكن فرسان المرحلة السابقة·· أبطال القمع وحلفاء عادل فليفل وشركاءه في الفساد الأمني والأخلاقي والمالي ·· يضعون العصي في عجلة الإصلاح السياسي الجذري··· ويتلونون··· يلحسون تصريحاتهم كلما تقدم الحكم خطوة الى الأمام ليجدوا أنفسهم مرتبكين·· فقد نظرّوا لتلك الخطوة الخطأ·· ومطلوب منهم التنظير للخطوة المعاكسة·· وأبرز مثال على ذلك مسألة الجمعيات السياسية ونظرية الانشغال والاشتغال·· والأحزاب··!!
ولكي لايساء الفهم·· فإن الإصلاح السياسي الجذري هو الإصلاح الذي لا يترك للغالبية الساحقة من القوى السياسية والقوى الفاعلة في المجتمع مجالاً إلا أن تقف معه·· وتدافع عنه·· وخاصة قوى التقدم والقوى الممثلة لأوسع القطاعات الشعبية·· أما القوى الفاسدة أيديولوجياً ومادياً·· فإنها بالضرورة ستقف ضده·· حتى لو طبلت وزمرت·· لكن انحيازاتها ستكون واضحة·· وبالتالي فقد حدد صاحب العظمة الهدف·· مملكة دستورية على غرار الديمقراطيات العريقة·· وعندما تسمع ذلك·· ترتسم أمامك النماذج·· الفصل بين السلطات·· السلطة التشريعية الكاملة لممثلي الشعب·· استقلال كامل للسلطة القضائية·· إعلام مستقل ·· أحزاب ونقابات ورأي عام·· ومؤسسات حرة للمجتمع المدني وما يولده كل ذلك من أجواء ديمقراطية حقيقية لا مكان لثقافة الخوف والتخويف والإرهاب والترهيب فيها··
لجنة تعديل الدستور أثارت المخاوف·
لجنة تفعيل الميثاق أثارت الارتياح··
لم تشرك لجنة تعديل الدستور أي شخصية بارزة مرموقة في المجتمع، لديها التجربة والخبرة القانونية والسياسية·· ومارست عملها بشكل سري حيث لم يتسرب من ذلك الدستور كلمة·· حتى الرابع عشر من فبراير 2002·· بالتالي عبرت عن مرئيات وسلوك الحكومة··· لجنة تفعيل الميثاق·· لم يقتصر عملها على الأعضاء الأساسيين·· بل أشركت معها في اللجان الفرعية الكثير من الشخصيات ذات الصلة بالقوى السياسية الفاعلة في البلاد·· ولم تتردد عن العلنية في عملها·· ولذا كانت أقرب الى نبض الشارع ·· وحملت توصيات وتعديلات على القوانين التي ناقشتها·· وقدمت نموذجاً لرجالات قادمين ··
وجاء الدستور ليقدم الحل الذي تراه الحكومة ·· ليثير عاصفة من الجدل الدستوري والسياسي بدأ منذ يوم تشكيل اللجنة ولم ينته بانتخابات الرابع والعشرين من أكتوبر·· وما أفرزه من مجلس وطني يملك أعضاؤه المنتخبون نصف الصلاحيات التشريعية·· بعد أن كان للأعضاء المنتخبين في المجلس الوطني %68.2 من الصلاحيات على أن ترتفع النسبة الى %74 في الدورة اللاحقة! عدا عن الصلاحيات الكثيرة التي سحب بعضها منه··
ولكي تفرض الحكومة حلها·· اعتبرت مناقشة الدستور خطاً أحمر···
وقلنا إن الدستور عقد بين الحكم والشعب·· ولا يمكن البصم على بياض·· ولا يمكن البصم على دستور جديد ·· دون أن يعرف كل طرف حقوقه وواجباته·· ولا يجب تجاوز آلية دستور سابق (ساري المفعول حتى لحظة إقرار الدستور الجديد)·· لأن من يعطي نفسه الحق في ذلك يفتح طاقة صغيرة للآخر أن يتجاوز تلك الآلية·· وبالتالي لابد من مجلس وطني تطرح عليه التعديلات ويناقشها ويقرها ويصدق عليها صاحب العظمة··
ورفضت الحكومة ذلك·· وأعطت نفسها صلاحية السير الى الأمام للانتخابات النيابية··· وانقسم الناس بين مقاطع ومشارك·· لكن الحكومة اعتبرت الدستور والبرلمان مشروعها· وليس المشروع المؤيد من كل الشعب··· ومن الغريب أن الحكومة التي رفضت الديموقراطية والانتخابات النيابية طيلة الفترة الماضية وإشراك الناس في صنع القرار هي التي تريد دفع الناس الى هذا المجلس لأنها تعرف بالدقة مالها وما عليها في الفترة المقبلة بناء على الدستور الذي فُصّـل على مقاسها··
وبدلاً من مغادرة سلوكيات المرحلة السابقة ·· وتشجيع القوى السياسية على مغادرة سلوكيات التفكير الشمولي·· فإنها اعتبرت المعركة بينها وبين قوى المقاطعة·· واعتبرت أن نسبة المشاركين هي المقياس الذي يجب إبرازه·· ولابد بالتالي من استخدام كل الإمكانات المتاحة لها لتحقيق أعلى نسبة من المشاركة···
استخدمت ورقة التجنيس، وازدواجية الجنسية الخليجية التي يبدو أنها اقتصرت على الإخوة من المملكة العربية السعودية الذين كان لها صلات تاريخية مع البحرين (ونعتز بهم ونقدرهم·· )·
استخدمت ورقة العسكريين ورجال الأمن لإشراكهم في الانتخابات وإعطاء تعليمات محددة لهم ·· والانضباط العسكري لا جدال فيه·· لكن حق المشاركة أو المقاطعة لا يجب أن يكون عملاً عسكرياً يعاقب أو يثـاب عليه المرء·· فهو عمل مدني ·· كما لا يجب أن يوجه العسكري أو رجل الأمن للتصويت لمرشح دون آخر·· خاصة من قبل الإخوة العرب المتجنسين·
وكان الأخطر هو ورقة الجواز وختمه·· حيث إنه سلاح معنوي كبير·· له مفعوله في تلك اللحظات·· قد لا تستخدمه السلطة لاحقاً وتتغاضى عنه·· لكن (البدون سابقاً)·· ومن يريد قروضاً أو سكناً او ترقية ·· سيكون أسير هذا العامل··
ونزلت البيانات التخويفية التي نشرتها بالكامل جريدتا أخبار الخليج والوسط أمس على أنها من مواطنين ·· ولكن لهجتها لا تخفى على اللبيب·· ولا يمكن أن تصدر من الجمعيات المشاركة فهي أكبر من أن تمارس هذا الدور التخويفي على المواطن·· وبالتالي يجب معرفة من له مصلحة في الموضوع·· ليتم تسليط الأضواء عليه··
ونزلت الحكومة بأربابها في المعركة·· والبعض تمادى في إطلاق التهديدات التي لا تليق بمسؤول صغير·· فكيف إذا كان من كبار المسؤولين·· للإيحاء بأن الحياة السياسية والاعتبار السياسي·· والتشاور·· سيكون من نصيب من يشارك·· أما من يقاطع فإنه سيهمش وستفرض عليه العزلة السياسية·· ولن يدعى الى أي فعاليات·· بدءاً من افتتاح المجلس الوطني الى أي احتفالات صغيرة أو كبيرة في البلاد!!!
أتذكر ما قاله صاحب العظمة في أحد اللقاءات·· بأن الكثير من المسؤولين بحاجة الى دورات لتعويدهم على الديمقراطية والحياة الجديدة·· وهذا ما يجب أن نفتتح به الحياة السياسية المقبلة·· حيث إن الكثير من المسؤولين (لن نـُذكر بندوة العميد نبيل قبل أسابيع قليلة حول الفساد المالي للكثير من المسؤولين) يجب أن يمر بدورات حول الديمقراطية ·· فقد قال أحدهم إن دليل الديمقراطية التي نحن فيها، هو جلوسنا معكم للحوار!!
بعض القوى السياسية اعتبرت نفسها جزءاً من الترس الحكومي·· وهي حرة في هذا الخيار·· واعتبرت معركتها مع المقاطعين وليس مع الانتهاكات والتعديلات والفساد المالي والإداري·· ويمكن تصفح جرائد شهرين من الزمان وأقلامها··
بعض الشخصيات السياسية نأت عن هذا المنزلق·· واحترمت جميع الخيارات وكان لها خيارها في المشاركة أو المقاطعة··
برز التخوف من قوى المقاطعة ·· سعت بعض الأطراف الى تخويف المقاطعين من بعضهم البعض·· والإيحاء بأن هذه الأطراف تضحك على بعضها البعض، وأن تحالفها سينفض قبل الانتخابات·· وبرهنت الممارسة العملية أن الجمعيات السياسية الأربع تعاملت برقي عال مع بعضها البعض·· ورفضت التقية في العمل السياسي كما رفضت الانتهازية السياسية·· وازداد تلاحمها كلما اقترب يوم الاستحقاق ·· كان إيمانها يكبر بصحة الموقف القانوني والسياسي لها·· ولم تتردد عن تقديم تنازلات لبعضها البعض ليكبر حجمها جميعاً·· وتشكل رقماً يصعب تجاوزه خاصة بعد الندوة الجماهيرية النوعية في نادي العروبة مساء الثلاثاء 22 أكتوبر حيث احتشد عشرات الآلاف في اجتماع لم يشهد حادثة واحدة مخلة بالأمن·· وبعثت هذه الجمعيات برسائل واضحة للحكومة وللشعب ولأجهزة الإعلام المحلية والأجنبية المراقبة للعملية الانتخابية ··· (ولم تشر وسائل الإعلام الرسمية الى هذا المهرجان·· كما سعت الصحف المحلية الى تقزيم الحدث الى حده الأدنى)··
البعض قال إن هذه الجمعيات تريد فرض مقاطعتها بالقوة والعنف على الناس والسلطة·· وستدفع جماهيرها يوم الانتخاب لتخريب الانتخابات··
وفشلت هذه المراهنة·· وأثنت جمعية حقوق الإنسان وجمعية الشفافية على سلوك الجمعيات المقاطعة·· وانشغل الناس بانتهاك بعض المرشحين لقواعد اللعبة الانتخابية·
ومن ناحية أخرى فإن هذه الجمعيات ورموزها لم تستخدم كلمات نابية في خطابها السياسي··
أكدت على حقها في التعبير·· وفرضت احترامها على السلطة التي تعاطت بسلمية هي التعبير الدقيق عن نهج صاحب العظمة وجوهر مشروعه··
تلخيصاً يمكن القول:
نجح صاحب العظمة في لجم كل الدوائر المسؤولة التي أرادت العودة الى الحلول الأمنية، مع تصاعد الخطاب السياسي للمقاطعة وكسبها المزيد من المؤيدين·· وقدم صورة زاهية لعهده أمام كل المراقبين السياسيين والصحافيين الذين لم يتعودوا على سماع صوت المعارضة وسط احتفالات السلطة ·· وفي الوقت الذي كانت المعارضة ترى انتصارها على الحرس القديم·· ترى انتصارها انتصاراً لصاحب العظمة·· ولذا فإنها تدخل معه في المرحلة المقبلة··· لمواصلة الإصلاح السياسي الجذري للوصول الى المملكة الدستورية على غرار الديمقراطيات العريقة··
مقاطعتنا للانتخابات هي الوجه الآخر لمن يقف ـ في الجوهر لا الشكل ولا التملق ولا حباً في المكاسب الآنية ـ الى جانب صاحب العظمة·· ضد من يعتبرون الإصلاح السياسي موجهاً ضدهم·· ويستشيطون غضباً عندما يسمعون هذه الكلمة··
وكما كنا نطالب بالحل الشامل لتداعيات الأزمة السياسية في قضايا الإبعاد والاعتقال السياسي·· وتحقق بعد مطبات وعثرات من بداية عهده··
فنحن على ثقة بأن قوى المجتمع والجمعيات المقاطعة تقدم الدعم الأكبر لصاحب العظمة في إصلاح الخلل الدستوري·· وتقويم الاعوجاج·· بالحل الجذري للأزمة الدستورية·· وهو قادر على ذلك·
وبالتالي فإن المستقبل السياسي بالنسبة لمن يريد الإصلاح هو العمل لتصحيح المسار الدستوري·· كما سيكون من واجب الجميع العمل على محاربة الفساد·· فكلما تقدمنا الى الأمام في تقديم الحل الدستوري السليم وأشركنا ممثلي الشعب في التشريع والرقابة والمحاسبة على غرار البرلمانات الحقيقية في العالم، تقدمنا الى الأمام في محاربة الفساد المالي والإداري·· اتسع النطاق لكل المؤمنين بالإصلاح في جميع جوانب الحياة· |