| مع أنه من الصعب إعطاء مؤشرات نهائية للعملية الانتخابية النيابية التي جرت في البحرين، وذلك نظرا الى أن هنالك جولة ثانية لأكثر من نصف عدد المترشحين ستجري يوم الخميس 31/10/2002،(هذه المقالة كتبت في 21/10/2002) إلا أنه يمكنا أن نعطي هنا مؤشرات أولية للعملية الانتخابية وللنتائج:
أولا: فيما يتعلق بالعملية الانتخابية ثمة ثلاثة جوانب رئيسية تقتضي الإشارة السريعة إليها: الأول يتعلق بشفافية العملية الانتخابية وحياديتها ونزاهتها، لا نريد أن نقول هنا إنها كانت ممتازة جدا وعظيمة، إلا أنه يكفي القول إنها كانت فوق الحد الأدنى المقبول وهذا يعد بكل المقاييس لصالح الجهة المشرفة عليها ولا سيما إذا ما علمنا أن هذه العملية تجري للمرة الأولى في تاريخ البحرين منذ 30 عاما وإذا ما علمنا أيضا أنه حتى أرقى الدول الديمقراطية لا تخلو من التجاوزات ومن المهم التأكيد هنا - كما أشارت - عن حق - رئيسة جمعية حقوق الإنسان البحرينية د· سبيكة النجار الى أن "التجاوزات ظلت محدودة عموما وهي من قبل المرشحين أكثر من تجاوزات الحكومة"·
الجانب الثاني يتعلق بنسبة المشاركة الـ %53,2 وهي صحيحة تماما، وتفسير ذلك بسيط وهو أن هناك أصلا نسبة ممتنعين من المقاطعة واللامبالاة تقترب من الـ %50، في الانتخابات البلدية السابقة وما كانت الجمعيات المقاطعة ستزيد هذه النسبة بعد انضمامها الى المقاطعة الأصلية أكثر من %10، لكن تكثيف جهود الدولة لتوعية الناس بأهمية المشاركة إضافة الى حملات الجمعيات السياسية المشاركة والحملات الإعلامية من إذاعة وتلفزيون وصحافة وأقلام مؤثرة·· كل ذلك ساهم في تحييد هذه النسبة الـ %10 المتوقع زيادتها لصالح كفة المقاطعة لتكون النسبة تقترب من النسبة الانتخابية البلدية الأصلية السابقة، أي فوق النصف بقليل، وهي نسبة ينطوي التأمل فيها جيدا على دلالات سياسية واجتماعية ودينية مهمة لكلا الفريقين المشارك والمقاطع على حد سواء، وخاصة إذا ما تأملنا في تفاوت نسبة المشاركة من محافظة الى أخرى فبعضها يصل الى نحو %80، بينما حتى النسبة المتدنية لا تقل عن %30 تقريبا في أكثر دوائر المقاطعين نفوذا والتي تتركز في "الشمالية"·
ثانيا: إن نجاح التيار السلفي والإخواني في حصد أغلب مقاعد الجولة الأولى كان متوقعا تماما، في ظل امتناع تيار الإسلام السياسي الشيعي عن المشاركة ولا سيما في الدوائر المختلطة من التيارين، فالمرحلة التاريخية الراهنة التي تعيشها البحرين، كغيرها من البلاد العربية والإسلامية، هي مرحلة صعود الوعي السياسي الاجتماعي الديني·
ثالثا: إن نجاح التيار الليبرالي والوطني في التأهل لخوض جولة ثانية بما يقرب من ربع مقاعد المجلس المنتخب (9 مرشحين) يؤكد ما سبق أن قدرناه بأنه بإمكانه الفوز بهذا العدد الذي يشكل نصف عدد مرشحيه تقريبا، لكن فشله في النجاح من الجولة الأولى بل وربما خسارة معظم مرشحيه في الجولة الثانية يعود الى جملة من الأسباب لعل أبرزها:
1 - نجاح التيار السلفي والإخواني في استدراج بعضهم الى فخ المعارك الإعلامية، التي يغلب عليها الطابع الأيديولوجي والسياسي وانسياقهم الى الرد عليها على حساب التركيز بلغة مكثفة على القضايا المعيشية والمصيرية الآتية دون الالتفات الى سهام الخصم·
2 - تحول معظمهم عمليا الى عناصر نخبوية، انقطعت صلاتها السابقة بالجماهير وغاب تواجدها في صفوف الناس لتلمس نبضها وهمومها اليومية وذلك بفعل انحسار قواهم ومنظماتهم الحزبية القديمة، فجاء تواجدهم الجديد رغم ما بذلوه أشبه بالمفتعل بعد انقطاع طويل·
3 - افتقار غالبيتهم الى البرامج والشعارات البسيطة المؤثرة في لغة بسيطة جذابة وقوية تنساب الى عقول وأفئدة الجماهير هذا رغم امتلاكهم جميعا جوهر البرامج الآنية المعبرة عن مصالح الناس، لكن امتلاك الجوهر السياسي الصحيح شيء وابتكار وإبداع اللغة البسيطة المؤثرة المعبرة عن هذا الجوهر شيء آخر·
رابعا: إن الجولة الثانية لن تكون سهلة ومريحة للمتنافسين ولا سيما لمرشحي التيار الليبرالي، حيث ليس من السهولة بمكان إحضار الناخبين المؤيدين لهذا المرشح أو ذاك كلهم مرة أخرى ولا سيما في ظل أجواء التحريض على المقاطعة، كما أن المرشحين الذين سقطوا في الجولة الأولى، وخاصة غير المسيسين منهم أو الذين لا توجد لهم مصالح قرابة أو مصالح دينية بمرشحي الإعادة مثل هؤلاء المرشحين الذين سقطوا ليس من السهولة أن يتحمسوا جميعهم لحض ناخبيهم على انتخاب أحد من مرشحي الإعادة·
وأيا كان الأمر فإن كل التقديرات تجمع على أن التيار الإخواني والسلفي هو الذي سيكتسح الغالبية الساحقة من مقاعد النواب ويرجع ذلك الى حد كبير لمقاطعة التيار الإسلامي السياسي الشيعي الذي لو نزل لسيطر التياران معا على ما لا يقل عن %97 من كل مقاعد المجلس، وأن التيار الليبرالي ما كان سيحصد أي كرسي لولا مقاطعة الإسلام السياسي الشيعي·
خامسا: حتى إذا ما افترضنا جدلا أن كل الممتنعين عن التصويت هم من المقاطعة وأن نسبتهم %50 من الناخبين فيسظل السؤال كيف يمكن لنصف القوى السياسية والاجتماعية الدينية للبلاد التي تعبر عنها هذه النسبة حمل الدولة على تقديم برلمان كبرلمان 1973 قبل نهاية الدورة البرلمانية الحالية؟!
· كاتب بحريني |