| نشرت جريدة القبس نصاً كاملاً يحوي تقرير الاتهام وقائمة الأدلة ضد المتهمين الأربعة بقضية الناقلات!! وقد حاولت كغيري متابعة التفاصيل لأجدني في نهاية المطاف أمام آلاف من المتهمين والمتورطين في اختلاسات الناقلات!! ولا أعني بالطبع تورطاً مباشراً كتورط المتهمين الأساسيين في هذه القضية وإنما هم متورطون لأنهم شكلوا القناة التي تسلل من خلالها الفساد والانتهاك لحرمة المال العام!! ولعلهم بذلك لايقلون خطراً على المؤسسات مالية كانت أم إدارية لقد أكدت تفاصيل قضايا الفساد بشكل عام مدى الخلل في جهازنا الإداري والرقابي الذي يسهّل من تحقق نزوات بعض “الطموحين” بصورة غير مشروعة· وسواء كانت في قضية الناقلات أو الاستثمارات أو غيرها الكثير من قضايا الفساد التي تضاعف عدد مرتكبيها أخيراً، فإن الشبهة يجب ألا تلاحق المتهمين المباشرين فقط وإنما يتوجب أن يلحق القصاص كذلك تلك القنوات التي ساهمت وبصورة مباشرة في تفشي الفساد بالصورة التي أصبحنا نراها ونعاني منها!!
حدثني مؤخراً مواطن كويتي يعمل في قطاع النفط عن تجربته مع مثل تلك التسهيلات التي فتحت وتفتح الطريق أمام ضعاف النفوس ليثروا من وراء تجاوزات تخالف القانون وشريعة الدين، يقول هذا المواطن إنه كان يعمل في قطاع التسويق وإنه استطاع في أثناء ذلك أن يحقق صفقتين إحداهما في إحدى الدول الآسيوية والأخرى في مكان ما في إفريقيا، وقد كان سعيداً ومتفائلا في كلتا الصفقتين، حيث استطاع أن يحقق هامشاً ربحياً للشركة أكثر بكثير مما توقعه مسؤولوه!! يتابع المواطن قائلا إنه كوفئ على ذلك بأن تم نقله من قطاع التسويق إلى قطاع آخر ليدرك بذلك أنه قد طالب بهامش ربحي أكثر مما هو “مطلوب” أي أنه أفسد على بعض ضعاف النفوس فرصتهم للتلاعب بمثل تلك الفوارق الهامشية التي قد لا تكون واضحة لغير “العارفين” والقريبين من مسؤولية إدارة تلك الأموال والعوائد!! والمحزن في الأمر هنا أن هذا المثال ليس يتيماً أو فريداً وإنما هو مثال متعارف عليه (ومقبول) وظيفياًَ، بل إن البعض لا يخجل من تبريره وبكونه شطارة ومهارة لا أكثر ولا أقل!!
لقد فتحت اعترافات المتهم الثاني في قضية الناقلات والتي أدلى بها للنيابة الأعين والأفواه المندهشة لسهولة أعمال النصب والسرقة في مؤسسات الدولة·
وبينت ضعف الرقابة التي تجعل الضمير وحده الرقيب، وهو أمر لا يمكن الاعتماد عليه، خاصة في ظل حالات الضعف الضميري التي يعاني منها الكثير من البشر!! فلولا الصدفة البحتة، لما أمكن اكتشاف عملية الناقلات، وما علينا هنا إلا أن نتخيل حجم وعدد عمليات النصب المشابهة التي لم تكشفها صدفة كصدفة الناقلات!!
نتمنى ألا يختم القضاء قضية الفساد في الناقلات أو غيرها بحُكم ابتدائي يستأنف ثم يُقر فيُنفذ!! فالقضية هنا هي قضية نهج وأسلوب إدارة بحاجة إلى ترميم جيد يسد الثغرات التي نفذ منها أولئك المتهمون في قضية الناقلات أو الاستثمارات!! فإذا كنا حقاً نريد أن نوفّر على البلد والمواطنين تجارب أخرى مشابهة، علينا أولاً أن نراجع تلك الأخطاء الإدارية التي جعلت من سرقات كهذه تحدث في وضح النهار وتحت أعين أجهزة يُفترض منها أن تكون أجهزة رقابية!!
نريد لمثل هذه القضايا أن تُعرض بلا أسماء وأن نجردها من تفاصيلها الشخصية لكي لا نُتهم بأننا ضد أشخاص معينين وإنما ضد نهج وأسلوب خطأ أباح لهؤلاء الاستهتار، والتجاوز ومن ثم السرقة!! وإلا خرجنا من معركتنا الأولى ضد الفساد بعناوين صحفية تدعو إلى محاربته، وأحكام قضائية تحاكم النتائج وتُبرئ الأسباب!! |