| ضمتنا الطائرة المغادرة إلى “فرانكفورت” وسرقنا الحوار الذي تشعبت فيه المواضيع وتداخلت، وأدهشنا ذلك التشابه الكبير بين الأوضاع السياسية والأمنية في بلدها وبين ما هو قائم في بلدي·
هي سيدة من “جورجيا” إحدى ولايات الاتحاد السوفييتي السابق، كانت في طريقها إلى العاصمة الألمانية لحضور مؤتمر لمناقشة أسلوب التعامل مع المشاكل والجرائم العابرة للحدود
“Takling Cross Boarder Crimes”
التي أصبحت من أبرز وأخطر (صناعات) الإجرام في القرن الحالي وتهدد السلام والأمن العالميين بصورة مخيفة، ومن أبرز هذه الجرائم: المخدرات، تجارة الأنفار، غسيل الأموال، وتجارة الأسلحة الخفيفة·
سألت السيدة الجورجية عن رؤيتها التي ستطرحها في هذا المؤتمر فيما يتعلق بالأمن سواء كان داخليا أو عابرا للحدود أو خارجيا· فكان تركيزها في إجابتها على أن الأمن لا يتحقق إلا من خلال إعادة هيكلة الأجهزة المسؤولة عنه، فازدياد الجريمة أياً كان نوعها يحمل مؤشرات واضحة بأن هناك خللا في أجهزة الأمن·
فبالنسبة إلى تلك السيدة، ترى أن ازدياد الجريمة في جورجيا خاصة العنف، والاغتصاب، والقتل والمخدرات، ماهي إلا نتيجة مباشرة لفساد أجهزة الأمن· وتعتقد أن السبب في ذلك يعود إلى الإرث الثقيل الذي انتقل إلى جورجيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إرث ثقيل من الفساد والوساطة، والمحسوبية، سيطر على أجهزة الأمن بالإضافة إلى تورط بعض القائمين على تلك الأجهزة بقضايا فساد وجرائم مختلفة، والحل الأمثل بالنسبة إلى تلك السيدة لايكون إلا بإعادة بناء الأجهزة الأمنية من جديد، مع وضع شروط أساسية للملتحقين بتلك الأجهزة·
الوضع في جورجيا يشبه إلى حدما الوضع في الكويت من حيث الفساد في أجهزة الأمن الذي عبرت عنه تلك السيدة، بالإضافة إلى حساسية الموقع الجغرافي، فكلا البلدين متاخم لمناطق حروب وقلق·
الشيشان وأزماتها تقلق جورجيا تماماً، كما تقلق الكويت أزمات العراق السياسية والأمنية، إلا أن الفرق هنا أنهم في جورجيا قد وضعوا في اعتبارهم تسرب الجريمة عبر الحدود وأدركوا أن من مسببات انفراط الأمن وازدياد الجريمة سهولة التوغل الحدودي، وحركة المهربين والمجرمين، وتلك نقطة لم يسبق أن وضعها مسؤولو الأمن في الكويت في اعتبارهم خاصة فيما يتعلق بتهريب وجلب المخدرات· فعلي مستوى (التعاون الخليجي) لم يسبق أن سمعنا عن تعاون أمني يقلّص من هذا النشاط المفرط لتجارة المخدرات مثلا، وحتى لو افترضنا أن هنالك (تفاهماً) خليجيا مشتركاً حول تبادل المجرمين والقضاء على الجريمة مكتوبا ومدوناً في ملفات وجلسات مجلس التعاون الخليجي، فإن أرض الواقع لاتقول بأن هنالك جدية في التعامل فيما يتعلق بالجرائم العابرة للحدود وخاصة جرائم المخدرات· لقد أكدت طبيعة الجريمة وظروفها في الآونة الأخيرة حاجتنا لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية في الكويت كخطوة علاجية ووقائية في آن واحد، خاصة بعد أن أكدت تلك الجرائم مدى تورط بعض العاملين في الأجهزة الأمنية·
إن مؤتمرات مكافحة الجريمة كالمؤتمر الذي حضرته سيدتنا الجورجية تؤكد ضرورة التنسيق بين الدول المتجاورة لمحاصرة الجريمة والحفاظ على الأمن، كما أن التحولات التي طرأت على طبيعة الجريمة في السنوات الأخيرة وظروفها تتطلب تحولاً مماثلاًَ في أسلوب مكافحتها ومحاصرتها، وبما أننا في الكويت كما في جورجيا لم ندرك بعد تلك الشروط، فإن الجريمة لاتزال مسيطرة مع تضاعف مذهل لأعداد مرتكبيها ومفاجآت مخيفة لهويات المتمرسين في سلك الجريمة والإجرام· |