رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 1 ذو القعدة 1423هـ - 4يناير 2003
العدد 1559

مع سميح القاسم في البحرين
رضي السماك
* ???? ??????

قبل عام 1967 لم يكد أحد في الساحة الثقافية والفكرية العربية يعلم شيئا عن الإبداع الأدبي والإنتاج الفكري لفلسطينيي 48 الذين نجحوا في التشبث بأرضهم التي وقعت بعدئذ ضمن الأراضي التي أقيمت عليها عنوة الدولة الصهيونية، اللهم قلة من مثقفي وسياسيي اليسار العربي وتحديدا أولئك المنضوين أو المحسوبين على الأحزاب الشيوعية العربية·

وفقط بعد هزيمة يونيو 1967 المدوية استيقظ الجمهور العربي والساحة الثقافية العربية على هذا الصوت الإبداعي الجديد المقبل من خلف أسلاك الدولة العبرية من شعر مقاوم وأعمال أدبية في القصة والرواية والمسرحية·· الخ، وكان من أبرز الرموز التي برزت ولمعت في الساحة الثقافية العربية محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم وإميل حبيبي·· وغيرهم·

حينذاك عمت الساحة الثقافية العربية موجة عارمة من الاحتفاء الانبهاري بهذه الظاهرة - الرموز من الشعر والعمل الإبداعي المقاوم الى درجة دفعت الشاعر محمود درويش الى توجيه ندائه المشهور الى المثقفين العرب من على صفحات مجلة “الجديد” الصادرة باسم حزب “راكاح” اليساري تحت عنوان “أنقذونا من هذا الحب القاسي”·

بالتزامن مع هذه الصحوة على إبداع وثقافة هذا الجزء من الشعب الفلسطيني التي ظلت مغيبة عن العالم العربي على مدى نحو عقدين منذ نكبة 1948 انخرطت مجاميع من الحركات والتنظيمات القومية وفي مقدمتها “القوميون العرب” في تبني الفكر الاشتراكي العلمي كرد فعل على هزيمة الأنظمة القومية “مصر وسورية تحديدا” أمام إسرائيل، بيد أن ذلك الاحتفاء العارم بالثقافة والرموز الإبداعية لعرب 48 سرعان ما أخذ يتلاشى، إذ عادت نزعة التشكيك والتخوين في هذه الثقافة ورموزها لتطغى مجددا بسبب حمل الرموز والقيادات السياسية لعرب 48 الجنسية الإسرائيلية وتعاطيهم مع الوسائل المشروعة الإسرائيلية من أجل التغيير والمساواة والدفاع عن حقوقهم بما في ذلك العمل البرلماني ضمن الكنيست الإسرائيلي· وهذه النزعة التشككية طبعت مواقف الحركات القومية واليسارية الجديدة على حد سواء حيث كان شعار “الكفاح المسلح” وتحرير فلسطين من النهر الى البحر هو السائد بل هو الوحيد المقبول·

وظل عرب 48 يعانون الأمرين لسنوات طويلة الظروف المعقدة الصعبة التي يناضلون في ظلها تحت قمع واضطهاد سلطات الدولة الصهيونية العنصرية الجديدة من جهة، وظلم ذوي القربى من أشقائهم العرب خارج الخط الأخضر المشككين في وطنيتهم وفي طريقهم الخاص الذي اختطوه للنضال من الداخل من أجل تغيير واقعهم والدفاع عن هويتهم وثقافتهم في وجه مخططات التهويد الشامل وطمس جذورهم من جهة أخرى·

ومنذ مطلع التسعينيات جرى تدريجيا كسر تابو التعامل معهم والانفتاح على رموزهم الثقافية والفكرية على نحو أوسع نسبيا بعد ما كان قد انحصر هذا التعامل في الأحزاب الشيوعية ثم برز في قيادة منظمة التحرير - ممثلة على وجه الخصوص في قيادتي “فتح” و”الديمقراطية” - اللتين أجازتا إقامة الصلات مع أكبر ممثل سياسي لهما حينذاك ألا وهو الحزب الشيوعي “راكاح”·· وكان أبرز تطور لافت في هذا السياق سماح دمشق لرموز وقيادات سياسية من عرب 48 بزيارتها·

إلا أن البلبلة أو الحيرة في تكييف الموقف السياسي منهم لم تتبدد كليا، إذ ظلت تثار الريبة أو التخوين فيهم بين الفينة والأخرى وانعكس ذلك بصورة جلية على مواقف الاتحادات النقابية العربية ومنظمات مناهضة التطبيع مع العدو· من هنا وفي هذا السياق يمكن فهم بالضبط مغزى وأبعاد الزيارة التي قام بها أخيرا للبحرين واحد من رموزهم السياسية والإبداعية البارزة ألا وهو الشاعر الكبير سميح القاسم باستضافة وتنظيم من قطاع الثقافة والتراث الوطني بوزارة الإعلام وأسرة أدباء وكتاب البحرين، حيث احتفت به هذه البلاد أروع ما يكون إذ جرى تنظيم أمسية شعرية جميلة له في القرية التراثية بمتحف البحرين الوطني، كما نظم للضيف الكبير محاضرة قيمة في مركز الشيخ إبراهيم بالمحرق جاءت ثرية في أهميتها وفائدتها السياسية والفكرية·

خصص الشاعر السياسي العربي الفلسطيني سميح القاسم محاضرته المرتجلة للحديث عن ملحمة نضال شعبه داخل الأراضي التي أقيمت عليها الدولة الصهيونية على امتداد نصف قرن ونيف منذ نكبة 1948، وهي ملحمة جرت في ظروف شاقة بالغة التعقيد محليا وعربيا ودوليا استطاع خلالها هذا الجزء من الشعب الفلسطيني بقيادة طليعته السياسية ابتداع طرقه ووسائله السلمية الخاصة للحفاظ على هويته وجذوره، والنضال من أجل مساواته في الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية لانتزاع ما يمكن انتزاعه من هذه الحقوق في ظل سياسات الاضطهاد العنصري والتمييز المنهجية التي دأبت سلطات الدولة الجديدة على ممارستها بحقهم·

وفي إطار حديثه عن ملحمة نضال شعبه الكفاحية على أراضي 48 عبر المحاضر عن مرارة آلام هذا الجزء من الشعب الفلسطيني لتنكر العرب لنضالهم وتضحياتهم واتهامهم بالخيانة والعمالة مع العدو، في حين لم يكن أمامهم منذ نجاح الصهيونية وحلفائها في إقامة دولة إسرائيل سوى رفع شعارين والتمسك بهما:

الأول: البقاء والتجذر في أرض الوطن·

الثاني: النضال مع بقية شعبنا في الضفة وغزة والشتات من أجل استرداد حقوقه الكاملة·

وأوضح سميح القاسم أن الحركة السياسية لعرب 48 هي أول من طرح شعار حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني منذ الخمسينيات، كما تجلى ذلك في مظاهرات يافا وعكا وحيفا وأم الفحم والناصرة والطيبة والكرمل·· الخ، ولم يكن هذا الشعار متبلورا بعد لدى أي قطر أو حركة سياسية عربية حيث كانت القضية الفلسطينية حينذاك تحت الوصاية القومية·

وأشار القاسم الى واقعة تاريخية عميقة المغزى في دلالاتها الوحدوية الوطنية وهي أن أول تنظيم للدفاع عن الأوقاف الإسلامية في أراضي 48 أنشئ في منطقة الحليصة بحيفا على أثر اتخاذ بعض اليهود أحد مساجد المنطقة وكرا للفساد من خمرة وجنس ومخدرات مما استفز أربعة من رجال الدين جاء تنوع انتماءاتهم بالمصادفة، الأول مسلم سني والثاني مسلم شيعي “هو الشيعي الوحيد في هذه المنطقة على حد تعبير القاسم”، والثالث مسلم درزي والرابع مسيحي “روم أرثوذكس” فكان ذلك دافعا قويا الى تناديهم لإنشاء أول تنظيم للدفاع عن الأوقاف الإسلامية في أراضي 48، حيث كانت باكورة منجزاته ترميم هذا المسجد وتنظيفه وحمايته من عبث شذاذ الآفاق·

وشرح المحاضر كيف ناضلت الحركة السياسية لعرب 48 في ظروف بالغة التعقيد من الحصار والعزلة عن العالم العربي من أجل حماية اللغة والهوية الثقافية العربية حيث لم يتبق لهم سوى النزر اليسير من الكتب العربية في مكتبات البيوت يضطرون الى نسخ بعضها باليد ويتداولونها فيما بينهم، حيث كانت قناة الاتصال الوحيدة لمعرفة أخبار العالم العربي تأتي عبر الاستماع الى صوت العرب سرا وكذلك الاستماع الى راديو لندن·

وأوضح القاسم المأثرة التي لعبتها صحيفة “الاتحاد” العربية لسان حال “راكاح” في الحفاظ على اللغة العربية، وكمنبر إعلامي لرموز الإبداع والثقافة والفكر داخل هذا الجزء من الوطن، وكيف خاضوا معركة إخفاء ا لمطبعة قطعة قطعة، ثم كيف خاضوا أمام القضاء الإسرائيلي معركة حقهم في تشغيل المطبعة وحق النشر·· ومازالت “الاتحاد” تصدر الى يومنا هذا·

وبين كيف أحبطوا مخطط تهويد اللغة والثقافة العربية، وأصروا على تدريس العربية بمدارس الوسط العربي والتزموا بتدريس العبرية وقالوا لهم: سنتقنها أفضل منكم وأما اللغة العربية فسنتقنها وسنحافظ عليها أكثر من العرب الذين تناسونا·· “وهو ما حدث فعلا”!

ولئن جاء برنامج زيارة القاسم للبحرين ثريا وحافلا في التعرف على نضالات والإبداعات الثقافية والفكرية لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني فإن السؤال الذي يظل قائما: هل ستتكرر على نحو منهجي مثل هذه اللقاءات المهمة المثمرة مع رموز وقيادات هذا الجزء من الشعب الفلسطيني في كل الأقطار العربية؟!·· وهل سيتم التوصل الى آلية دائمة لإنهاء العزلة كليا عنهم والتواصل المتبادل بين إنتاجاتهم الثقافية والإنتاجات الثقافية العربية على امتداد العالم العربي؟!

·        كاتب بحريني

�����
   
�������   ������ �����
قضية المرأة البحرينية
الإرهاب وصناعة "المجانين"!
قراءة أولية في الانتخابات العراقية
بئر الحرمان
أقوى دول العالم.. أغباها!
"تسونامي" بين الإغاثة والسياسة
من الأخطاء القاتلة للحركة السياسية البحرينية
اعتذار متأخر جداً!
فرنسا و"المنار"
العرب في ثلاث قوائم عالمية
الفساد الإفريقي والطفرة النفطية
كوبا بين التكيف والانهيار
مغزى فوز "ماثاي" بنوبل للسلام
كم يبدو العالم جميلا بتعدديته الثقافية الإنسانية؟!
القانون الأمريكي بعصمة اليهود!
قدسية العلم الوطني
دروس إغلاق "العروبة" البحريني
حماية المستهلك في البحرين
الزهور والظلام
  Next Page

نهضة المارد الصيني:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
الجريمة من جورجيا..إلى الكويت:
سعاد المعجل
لقاء مع نائب:
د· نايف السهيل
الديمقراطية الحزبية:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
قوة المعرفة:
كامل عبدالحميد الفرس
قصة شهيد:
عبدالله عيسى الموسوي
العرب ومبادرة الشراكة الأمريكية:
خيار العودة لمنهج الأخوين دلاس أو التفاعل الإيجابي مع مبادرة باول:
دبي الحربي
ببليوغرافيا القضية العراقية لعام 2002:
حميد المالكي
مع سميح القاسم في البحرين:
رضي السماك
تدهور ثقافي!:
عامر ذياب التميمي
“ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل” قيام التحالف الوطني:
د. محمد حسين اليوسفي