| بعد نهاية حرب عاصفة الصحراء، التي تزامنت مع إعلان انهيار الاتحاد السوفييتي الدراماتيكي عام 1991، بدت واشنطن غير مستوعبة لما يجري، وعلى مدى عشر سنوات حتى نهاية القرن الماضي كانت السياسة الأمريكية غير واضحة المعالم، فتحت وقع مخاوفها الماضية من المد الشيوعي وتأكيدا لشراكتها مع أوروبا عملت واشنطن بجد لترتيب البيت الأوروبي، وتدخلت بقوة لإنهاء بؤر الإرث الاشتراكي في أوروبا، ممثلا في يوغسلافيا، فعملت على تفكيك الاتحاد اليوغسلافي، وإسقاط أخر معاقل الحرب الباردة المناهضة للأنموذج الغربي في أوروبا، فإذا كان التدخل الأمريكي عبر مشروع مارشال قد أنقذ أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية من الدخول في خانة النفوذ السوفييتي، فإن التدخل العسكري الأمريكي المباشر في العقد الماضي عبر حلف شمال الأطلسي الناتو، لإسقاط الرئيس الصربي السابق ميلان ميلوسفيتش، قد أنقذ أوروبا من حرب أهلية محتملة، وأبعد عنها شبح هذه الحرب، وهكذا تسارعت وتيرة بناء الاتحاد الأوروبي ليشمل 25 دولة·
الآن تبرز أوروبا كمنافس قوي لواشنطن لبلورة خارطة عالم ما بعد القرن العشرين ومع كل مآسي أوروبا التي كانت أكبر الخاسرين في الحرب العالمية الثانية، أصبحت أكبر الرابحين من الحرب الباردة، وها هي تبرز كالمنافس الأقوى على الساحة الدولية·
مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي أخيراً، لايمكن أن تفهم إلا أنها إشارة إلى أوروبا الجديدة، بأن واشنطن لايمكن لها أن تنكفئ خلف المحيط الأطلسي كما يطمح قادة الاتحاد الأوروبي، وأن منطقة الشرق الأوسط لايمكن لها إلا أن تكون منطقة نفوذ أمريكي، لا أوروبي، فالحشود العسكرية الأمريكية الضخمة لا يمكن فهمها إلا بأنها رسالة عميقة الدلالة لأوروبا الموحدة فالحرب الباردة قد بدت ملامحها في الظهور ولكن هذه المرة بين حلفاء الأمس بين واشنطن وأوروبا الموحدة بقيادة فرنسا وألمانيا، وإذا كان جدار برلين هو رمز الفصل بين طرفي الحرب الباردة بين الكتلة الاشتراكية والكتلة الغربية، فالبحر الأبيض المتوسط يظهر أنه الخط الفاصل في الحرب الباردة بين أوروبا الموحدة ومناطق النفوذ الأمريكي وتحديدا الضفتين الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط حيث الوطن العربي الممتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي·
محاولات الرئىس الفرنسي جاك شيراك في نقل الفرانكفونية إلى الوطن العربي، لم تفلح إلا في تأكيد التوجه الأمريكي في عزل الشرق الأوسط عن أوروبا، وإن أي ولوج أوروبي فاعل إلى هذه المنطقة لن يأتي إلا بموافقة أمريكية، بل إن تصريحات جاك شيراك المناهضة للوجود السوري في لبنان قد دفعت دمشق للقفز إلى لندن تمهيداً إلى الدخول إلى العالم الأمريكي الجديد المزمع بناؤه في المنطقة·
الوطن العربي برمته هو ساحة الصراع المقبلة وهو صراع غير منظور وغير معلن، ولكنه مفهوم ومدرك·· وعلى العرب أن يتجاوزوا شعارات الماضي وشعارات الحاضر، فخيار الشراكة مع أمريكا يبدو أنه السبيل الوحيد لإنقاذ الأمة والشعوب العربية، من واقع التخلف الذي فرضته عليها الأنظمة القائمة طوال 50 عاماً، وإن كان هذا الواقع هو نتاج لسياسة واستراتيجية أمريكية صاغها الرئيس الأمريكي الأسبق أيز نهاور وقادها وقام بتنفيذها الأخوان دلاس، (جون فوستر دلاس وكان وزيرا للخارجية والأخر هو ألان فوستر دلاس وكان رئيسا لجهاز المخابرات المركزية الأمريكية) وتلخصت هذه الاستراتيجية في بندين اثنين، الأول الوعد “جنه الدنيا” لأوروبا الغربية ما بعد الحرب العالمية الثانية من خلال مشروع مارشال الذي ضخ الأمريكيون خلاله مليارات الدولارات للنهوض بأوروبا ومداواة جراحها النازفة حتى لاتقع في فلك الشيوعية والاتحاد السوفييتي والثاني، هو الوعد “بجنة الآخرة” لشعوب منطقة الشرق الأوسط وذلك بإحياء القيم، المورث الديني، والقيم التقليدية في مواجهة “قيم الإلحاد التي يبثها اليسار وأنصار الحداثة”، وذلك من خلال، دعم الأنظمة العسكرية والدكتاتورية والتقليدية، والجماعات الأصولية التي تقلل من شأن الدنيا الفانية وتبشر بجنة الآخرة الدائمة والحور العين·
الآن واشنطن بقدر ما استفادت من استراتيجيتها الماضية فإنها بدأت تخسر، فأوروبا الآن تجاوزت محنتها وتوحدت ضدها، والشرق الأوسط أصبح مقرا ومرتعا للقوى الأصولية المناهضة للتوجهات الأمريكية، التي باتت تقود حربا ضد الوجود الأمريكي في المنطقة وفي العالم وإصابته في مقتل في 11 سبتمبر 2001، ذلك الحادث الذي جعل واشنطن تصحو من نشوة ووهم الانتصار على الاشتراكية واستمرار دعمها للقوى الأصولية ولأنظمة التخلف· إن الجماعات السياسية والمثقفين العرب والمفكرين مطالبون أكثر من أي وقت مضى للتفكير والدفع في الخيار بين شراكة عقلانية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتجاوب مع سياسة التنوير والتحديث الديمقراطي التي تطرحها، وبين الركون لقمع الأنظمة والطبقات السائدة وقوى التخلف الظلامية التي لا سبيل لزحزحتها إلا بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية بنهجها الجديد المعلن·
فأوروبا ليس لديها ما تقدمه عمليا لنا سوى تجاربها السياسية والثقافية والفكرية وهي مشغولة بواقعها الجديد، أما واشنطن فلديها الكثير لتقدمه لنا لحماية نفسها ومصالحها على مدى الخمسين سنة المقبلة· وقد تسهم في نهوضنا لنكون سدا بين أوروبا الموحدة وإفريقيا، هدفها المنتظر والحالي الخوف من الهيمنة الأمريكية ليس له ما يبرره فطوال أواخر القرن الماضي ونحن تحت الهيمنة الأمريكية ولكن من وراء ستار دون تفاعل ثقافي وفكري وصناعي مباشر، كنا بؤر استهلاك للمنتج الغربي والصناعة الأجنبية، ومراكز لبث قيم التخلف والردة في المحيط الجغرافي وممولين له، على عكس ما كانت عليه الحال في باقي مناطق الهيمنة الأمريكية وعلى وجه الخصوص في شرق آسيا، وأوروبا الغربية· والشراكة مع واشنطن لن تمنعنا بطبيعة الحال من التفاعل الإيجابي مع المحيط الجغرافي في أوروبا، وعدم تجاوب قوى التحديث والتنوير للمساعي الأمريكية المعلنة سيدفع واشنطن إلى التفكير في إعادة جدولة تحالفاتها السابقة ونهجها المظلم·
إننا أمام خيارين: إما التجاوب العلمي والاستفادة من هذه التوجهات وعقلنة الدخول العسكري الأمريكي إلى المنطقة، أو الرضوخ في النهاية إلى القوة العسكرية الأمريكية بصورتها الغاشمة والاستكانة مجددا للواقع الحالي نفسه·
إن مبادرة كولن باول هي ماطرحه عدد من المثقفين العرب في تقرير الجامعة العربية، وبالتالي يجب كسب واشنطن كدعامة للخروج من النفق، كما أن ما طرحه كولن باول بإعطاء أهمية لدور القطاع العام والتغيير المنتظر سيلجم دعاة مساعي الخصخصة لإلغاء الدور الوظيفي للدولة الذي يشكله القطاع العام وسيحد من النيل من المكتسبات الشعبية المتحققة في مجال الصحة والتعليم وغيرها من الضمانات الأساسية وسيحد من الآثار السلبية التي تنشأ من الولوج القسري والمفرط في الخصخصة·
القضية التي يجب أن يدركها المثقف والمفكر العربي يمينيا كان أو أصوليا أو رأسماليا أو يساريا أو ليبراليا أن مواجهة الهيمنة الأمريكية بالعنف والرفض غير العقلاني قد توجع الولايات المتحدة الأمريكية ولكنها لن تردعها، كما أن الاعتماد على الذات بالنسبة إلى القوى الشعبية لتحقيق تطلعاتها التي لا تخرج عن ماطرح في خطاب باول لن تمكنها من هزيمة الأنظمة القائمة والقوى المصلحية المتسيدة في الوطن العربي، وبالتالي لا يمكنها تحقيق نموذجها مستقبلا في التنمية المستدامة· |