| أخيرا وفي زمن أفول عصر الانقلابات العسكرية العربية ها هو ذا انقلاب كبير غريب يتيم فاشل يظهر هذه المرة في أقصى المغرب العربي بموريتانيا كاد أن ينجح في الإطاحة بالسلطة القائمة بل نجح في تغييبها لما يقرب من يومين·
كان آخر انقلاب عسكري عربي ناجح ظهر في السودان عام 1989 والذي قادته مجموعة أصولية أطلقت على نفسها “جبهة الإنقاذ” بزعامة عمر البشير وحسن الترابي حيث أطاحت بالسلطة المدنية المنتخبة برئاسة الصادق المهدي وبدا هذا الانقلاب وكأنه خاتمة الانقلابات العسكرية الناجحة في العالم العربي والمعمرة طويلا في السلطة، أما العصر الذهبي للانقلابات العسكرية الناجحة والمعمرة فقد كان غداة هزيمة يونيو 1967 حيث استغلت مناخها السوداوي الذي كان يجثم على أنفاس العالم العربي بأسره ووقعت جميعها خلال ثلاثة أعوام: انقلاب البعث في العراق في يوليو 1968، انقلاب جعفر نميري في السودان عام 1969، انقلاب معمر القذافي في ليبيا عام 1969، انقلاب محمد سياد بري بالصومال عام 1969، انقلاب جناح حافظ الأسد على جناح آخر لحزب البعث في السلطة بسورية عام 1970·
بعد هذه الانقلابات التي وقعت غداة النكسة أضحت كل الجيوش العربية محصنة ضد الانقلابات إذ تمت السيطرة الحديدية الكاملة في الدول العربية على كل مفاصل الجيش والعصب الأساسي له من ضباط وضباط صف حتى أصغر الرتب لا بل حتى أصغر الجنود وأضحى ضربا من الخيال نجاح أي محاولة انقلابية عربية·
وكان حكم البعث في العراق هو أكثر الانقلابات العسكرية في هوس التطهيرات الدموية داخل الجيش حتى بدا ظهور انقلاب من صفوفه حالة ميئوسا منها أشبه بالمعجزة حيث لم يسقط إلا أخيرا بفعل تدخل عسكري أجنبي شن حربا على البلاد بعد أن حكمها 35 عاما بالحديد والنار·
ولم يبق من مجموعة انقلابات “النكسة” المشار إليها صامدا في السلطة سوى النظامين السوري والليبي وكلاهما يواجهان تحديات آنية داخلية وخارجية بالغة الخطورة تتصل بالحاجة الى الحصانة الشرعية الدستورية في عصر تآكل ونضوب الشعارات “الثورية”، وبات من الواضح في ضوء المحاولات الانقلابية الموريتانية الخطيرة الأخيرة التي كادت تقوض سلطة الرئيس معاوية ولد الطايع الذي يحكم موريتانيا منذ نحو 20 عاما على إثر انقلابه العسكري الناجح عام 1984 أنه أخفق في تطهير الجيش تطهيرا ساحقا شاملا وهذا ما ينتظر أن يفعله خلال الأيام المقبلة·
لكن يظل السؤال الى متى ستظل الجيوش والمخابرات بمثابة الحصن المنيع لحماية الأنظمة الشمولية والعسكرية وأشباهها؟!
لو أخذنا حكم معاوية الموريتاني كنموذج للأنظمة التي تحفر قبرها بنفسها عاجلا أم آجلا فهو لم يكتف باختراع نظام ديمقراطي كاريكاتيري يفتقر الى الشرعية الحقة بل وأمعن في استفزاز مشاعر شعبه العربي المسلم بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع عدو العرب والمسلمين “إسرائيل” طمعا في الحصول على دعم أمريكي للخروج من أزمته الاقتصادية، لكن لا الدعم الأمريكي ولا البنك الدولي ولا صندوق النقد جلبت الرخاء للشعب الموريتاني بل ازدادت الأزمة الاقتصادية والمعيشية احتداما وازداد النظام عزلة مع تفاقم الاحتقان وبروز أعراض الانفجار الاجتماعي وكل ذلك في بلد يعيش نصف أهله تحت خط الفقر وثروته عمادها الحديد وصيد الأسماك، وديونه الخارجية فاقت الملياري دولار!
والمضحك المبكي أن جنرالات الانقلاب لا يحملون أي مشروع كبير للتغيير الاجتماعي يستند الى فكر ديمقراطي وطني جديد ويرتكز على قاعدة جماهيرية عريضة، بل هم نسخة مستنسخة من زمر الانقلابات العربية الناجحة والفاشلة حيث هم بقايا من “البعث” العراقي و”الإسلام السياسي” وكلاهما لا أسف على فشلهما لأنهما مشروع شمولي جديد وإن بقي الشعب الموريتاني على محنته في ظل النظام الحالي·
وما دامت الحال هي كذلك فلا غرابة أن يسيّر النظام بضع سيارات لتطلق أبواقها في الشوارع كتعبير عن “فرحة الشعب” بدحر الانقلاب! |