|
آراء في اللامشروعية
إن الهاجس الذي يشغلنا في هذه الزاوية هو بحث مشروعية بعض اللوائح والقوانين والأعمال التشريعية والحكومية، وما يثار من جدل يمس الحياة العامة وغايتنا هو أن نجلي رونق الدستور للاستنارة بأنواره في مسيرة حياتنا·
وما سنقوله لن يكون سوى رأي متواضع نجتهد في إبدائه، محاولين أن نشارك أساتذتنا الأجلاء الذين سبقونا ونطلب من زملائنا القانونيين الذين يفوقوننا علما وخبرة المشاركة في إلقاء الضوء على هذه المواضيع·
تشتيت بلد صغير
الى 25 دائرة انتخابية وسيلة ذكية لتفريغ أهم المبادئ الدستورية من محتواها
تحرص الدساتير الحديثة على أن تتضمن نصوصها نصا صريحا يقرر السيادة للأمة، أو بجعلها للشعب، وجاء دستور الكويت لعام 1962 ليقرر أن "السيادة للأمة" بأسرها، أي السيادة بشكل غير مجزأ، بل ولا تقبل التجزئة، وذلك على عكس مبدأ سيادة الشعب·
ولم تكن مصادفة أن يتفق القائد الفذ عبدالله السالم مع الآباء المؤسسين للدستور على الأخذ بهذا المبدأ، وإنما جاء ذلك عن حكمة وعمق إدراك لمعالجة التقسيمات الاجتماعية كالطائفية والقبلية وتحقيق الوحدة الوطنية·
وبموجب هذا المبدأ الدستوري الرائع فإن النائب يمثل كل الأمة وينوب عنها، فهو يمثل الجهراء وشرق والفحيحيل والقبلة وباقي المناطق كما ينوب عن قاطنيها من مختلف الأعراق·
ويلتزم النائب وفقا للدستور بالدفاع عن حرية العبادة والأديان والمذاهب وينوب عن جميع الطبقات الاجتماعية والفكرية والمهنية، وبالتالي لا يجوز للنائب الليبرالي المطالبة بالحجر على حرية الجماعات الدينية ما دامت ملتزمة بإطار الدستور والقانون، بل عليه أن يحميها، كما لا يجوز للنائب ذي التوجه الديني المطالبة بمنع الفنون التي شجع تنميتها الدستور أو الحجر على حرية الفنانين من ممثلين ومطربين أو من راقصي الهبان والسامري· فالنواب هم نواب عن جميع الأمة وذلك بموجب هذا المبدأ الدستوري، فإن فعلوا غير ذلك فإنهم ينتهكون الدستور بأهم مبادئه·
من المنطقي أنه لتحقيق الهدف من هذا المبدأ الدستوري، كان يجب أن ينص قانون الانتخاب على أن تكون الكويت كلها دائرة واحدة فقط، ينتخب فيها جميع الناخبين النواب جميعا، ليرسخ في ضمير الناخبين بأن هؤلاء النواب يمثلونهم وينوبون عنهم، كما يحس النائب أنه يمثل هذه الأمة بأكملها لعلمه أن انتخابه جاء من كل البلد بطوائفه ومناطقه وطبقاته الاجتماعية·
إلا إن من شرع قانون الانتخاب بداية، شاء أن يأتي ذلك بالتدريج، فكانت البداية بعشر دوائر انتخابية، على أمل أن تتقلص الى خمس دوائر، ومع تطور النضج الديمقراطي الى دائرة واحدة تشمل كل البلد، فمن المؤكد أنه كلما تقلصت الدوائر الانتخابية شعر النائب أنه يمثل نسبة أكبر من المواطنين والمناطق، وذلك هو الطريق السليم للوصول الى الهدف السامي لمبدأ سيادة الأمة، حيث يمثل النائب الأمة بأكملها·
ولكن لم يستسغ من هم على غير وفاق مع الديمقراطية، "مبدأ سيادة الأمة" والذي يؤدي حتما الى "وطنية السلطة" و"تأميم السلطة"، أي عكس الانفراد بالسلطة· ففور وفاة عبدالله السالم بدأت الردة لنقض كل ما استطاع الآباء بناءه خلال عقود من الزمن، كان الهدف هو الهيمنة الكاملة على كل السلطة والاستحواذ على كل الثروة النفطية الهائلة التي تفجرت في أرض الكويت الطيبة·
بدأ ذلك بوسائل غير ذكية ومفضوحة مثل تزوير الانتخابات عام 1967، وحل مجلس الأمة وتعطيل الحياة النيابية كلية مرات عدة وحكم البلاد من دون مجلس، والعبث بالتركيبة السكانية··· إلخ·
وحيث إن هذه الوسائل مكشوفة للمواطنين، فقد نصحهم مستشارو السوء من الفقهاء الدستوريين باللجوء الى وسائل ذكية وذلك بتفريغ محتوى أهم المبادئ الدستورية (أعمدة الدستور) والنصوص الدستورية من محتواها وجعلها شكلا فارغا·
أخطر هذه الوسائل الذكية تدميرا استهدف مبدأ "سيادة الأمة" الذي يقلقهم كثيرا، فبدلا من تقليص الدوائر الانتخابية كما ذكرنا لتحقيق الهدف بالقضاء على الطائفية والقبلية، عملوا على نقيض ذلك لتحقيق هدفهم الخاص النقيض لمبدأ "سيادة الأمة"، فعملوا على:
1 - تقسيم هذا البلد الصغير الى 25 دائرة انتخابية وبطريقة لئيمة ولكنها ذكية (زغاله) تجعل كل دائرة تمثل قبيلة أو طائفة أو طبقة اجتماعية، لكي يشعر النائب بأنه يمثل هذه الشريحة فقط، ويرسخ في ضمير ناخبي الدائرة بأن هذا النائب فقط يمثلهم - على عكس هدف المبدأ الدستوري - وبدلا من أن يشعر المواطن أن النائب يمثل الأمة بأكملها، أصبح لدينا نواب للعوازم، ونواب للمطران، ونواب للرشايدة، ونواب للشيعة، وللسلف وللإخوان ولليبراليين··· إلخ·
2 - ولكي تطمئن قلوبهم، استعملوا سلاحا آخر لدمار وحدة الأمة، بالتشجيع على إضافة اسم القبيلة أو الموطن، على الاسم (حتى أواخر الستينات لم تكن الأسماء تنتهي باسم القبيلة!!) والهدف كان تدميرا شاملا لهذا المبدأ، لكي لا يشعر المواطن أنه ينتسب الى أمة، بقدر ما يشعر أنه ينتسب الى قبيلة أو طائفة معينة، أما شعور "المواطنة" شعور الانتساب الى الأمة كلها فهو شعور أصبح ضعيفا على عكس ما يهدف له المبدأ الدستوري الرائع، ولكنه يحقق الرغبات الاستبدادية لأعداء الأمة·
عبدالكريم جاسم بن حيدر
في المقالة السابقة التي نشرت الأسبوع قبل الماضي للزميل عبدالكريم حيدر حدث خطأً حول "العلماء" إلى "عملاء" إلا أن سياق الموضوع لم يكن يحتمل إلا كلمة "علماء" لكن لزم التنويه عن هذا الخطأ المطبعي·
المحرر |