| من الملاحظ أن بعضاً من كتاب الصحف اليومية عندما يتعرضون في كتاباتهم إلى موضوع الحركات الدينية ومنهجها وطرق عملها وأساليبها المختلفة في إدارة شؤونها داخل مجلس الأمة وخارجه يربطون هذه الأعمال والمواقف التي يرون أنها مواقف متخلفة وتضر بالصالح العام، وهي كذلك، ولا تتفق مع النسق الحضاري التقدمي، بالبداوة والعشيرة والقبيلة، وذلك كون أغلبية أعضاء مجلس الأمة المنتمين لهذه التيارات الدينية من أبناء القبائل، وبرأيي أن طرح القضية بهذا الشكل لا يخلو من عنصرية وتفرقة وافتقاد للموضوعية والواقعية وتدفع بالمزيد من شباب القبائل والعشائر إلى الانخراط في مثل هذه التنظيمات وتأييدها كردة فعل سلبية على ما يطرح ويتداول من قبل كتاب كبار لهم تأثيرهم على القارئ وعبر صحف محترمة·
فالكويت كباقي الدول العربية والإسلامية التي انتشرت فيها التنظيمات والأحزاب الدينية واتسع نفوذها وقوتها منذ أواسط السبعينيات لأسباب مختلفة وعبر السلطة في أغلب الأحيان، وقد اكتسبت هذه التنظيمات التأييد من قبل فئات الشعب الفقيرة الكادحة وعملت بالشارع وكان شعارها نصرة الدين وتطبيق الشريعة والرجوع الى الإسلام هو الحل لكل مشاكلنا، وبالتأكيد مثل هذه الشعارات تلقى تعاطفاً عظيماً بالفطرة من شرائح المجتمع المختلفة وعلى رأسها الكادحون والمسحوقون من الفئات الشعبية وهم الأغلبية العظمى، في مثل دولنا غير مدركين للأهداف والخطط غير المعلنة لمثل هذه الأحزاب والتنظيمات، فالشعار العام والخطوط العريضة مغرية بالنسبة إليهم، بالإضافة الى أن هذه التنظيمات الدينية لا تمثل حركات نخبوية محتكرة بل إنها ترحب وتستوعب الجميع من أجل المزيد من قوتها مما أدى الى تضخم ميزانياتها بفعل الصدقات والزكاوات والتبرعات وغيرها وتوفر الأموال اللازمة لكسب المزيد، وهذا عكس ما تقوم به بعض التنظيمات التي ترفع شعار الوطنية والقومية والتقدم، والتي تعتمد على النخبة وعلى بعض أصحاب رأس المال الذين لم يستخدموا المال لتوجيه الرأي العام لأهدافهم الوطنية والقومية والتقدمية التي ينادون بها وابتعدوا عن التأثير على الشارع ولم يلامسوا هموم ومطالب الفئات الشعبية وتركوا المجال واسعا لغيرهم بالتحرك والعمل بحرية لكسب ود الشعب عبر منابرهم وأنشطتهم المختلفة بمساعدة واضحة من السلطة، وبالتالي التحكم بمصير الأمة·
فالفئات الشعبية التي تمثل السواد الأعظم من الشعب الكويتي ومعظمهم من أبناء القبائل والعشائر البدوية العربية لم يجدوا تنظيما أو حركة تمثل مصالحهم وتدافع عن حقوقهم وتصهرهم في المجتمع حتى يتفاعلوا معها وبذلك لم يكن أمامهم إلا الحركات والتنظيمات الدينية، وما ذنبهم إذا كانوا بين طرفين أحدهم يرحب بهم ويستوعبهم من أجل مصالحه طبعا، والآخر ينتقدهم ولا يخلو خطابه من الغمز واللمز نحوهم ويستكثر عليهم أي حق مكتسب يحصلون عليه·
إن دولة كالولايات المتحدة الأمريكية هي مزيج غير متجانس من قوميات وأعراق وأديان وثقافات مختلفة لكنها تعاضدت وامتزجت لتحقق القوة العظمى التي تدير شؤون العالم، ونحن في الكويت مازلنا ننظر للأمور بمنظار ضيق "مناطق داخلية وخارجية وغيرها" فما بالنا نحن أصحاب اللغة والدين والدم والثقافة الواحدة نختلف فيما بيننا· إن مجتمعاً بهذا الصغر وبهذا الاختلاف لا يمكن أن يحقق الأمل المنشود، وليحفظ الله كويتنا من شرور الغادرين·
nayef@taleea.com |