| تشهد الساحة العربية جملة من المستجدات ومحاولات الخروج من المأزق التاريخي الذي وجد العرب أنفسهم غارقين فيه، وبدلا من مواجهة المأزق بجرأة وإرادة سياسية واعية، لجأت كثير من الأنظمة والأحزاب والفعاليات السياسية الى إطالة أمد الأزمة، باللجوء الى مصطلحات ومعالجات هامشية، أبرزها ما يسمى "بالحوار"·· وهنا يبرز السؤال: هل هو حوار بيزنطة؟ وإضاعة الوقت والجهد، إن مبدأ الحوار بحد ذاته غير مرفوض، ولكن ما أرضية الحوار؟ إن الحوار حول أبجديات الإصلاح السياسي أمر غير مجد، بل هو عودة مرة أخرى الى عنق الزجاجة والتأزيم، فليس حوارا ذلك الذي يبحث بأهمية وجدوى الديمقراطية كخطوة أولى باتجاه الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وليس من الحوار في شيء ذلك الذي يبحث بأهمية احترام حقوق الإنسان الأولية والسياسية وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الواردة في المواثيق الدولية·· ففي عالمنا المعاصر لم تعد المسألة اختيارا أو مفاضلة بين الديمقراطية أو غيرها من النظم السياسية، بل هي اختيار بين الشرعية أو انعدامها·
فالديمقراطية كمنهاج للحكم وإدارة الشأن السياسي وغيره من الشؤون العامة ثبت علميا وعمليا أنها النهج الأمثل لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنهوض في المجتمعات البشرية والشعوب من واقع التخلف الى الحداثة والمعاصرة بشكل سلمي ودون إحداث تشوهات أو صدمات تهدد السلم الاجتماعي واتساق النمو العام، وهذه الديمقراطية ضرورة حتمية لحقوق الإنسان الذي كرمه الله واستخلفه في الأرض، إن القول إن هناك شعوبا أو دولا مهيأة للديمقراطية، وأخرى قاصرة وغير ناضجة للتعاطي مع الديمقراطية، هو قول مرفوض وغير صحيح، فنحن لا نقلل من شأن وأهمية التجربة أو الضريبة التي دفعتها وقدمتها بعض الشعوب حتى وصلت الديمقراطية لديها الى بر الأمان مثل أوروبا·· بل على العكس نثمن لهذه الشعوب والدول تضحياتها في هذا السياق وما قدمته لنا من حصيلة وثروة فكرية وسياسية باعتبار أن حصيلة التجارب البشرية العلمية والعملية مكملة لبعضها البعض، وإن القيمة الحضارية لأي شعب في العالم وحيويته تكمن في قدرته على الاستفادة المثلى من خلاصات تجارب الشعوب والأمم الأخرى دون الدخول أو تكرار تجاربها أو مآسيها أو حروبها الأهلية للوصول الى ما وصلت إليه من ديمقراطية واحترام لحقوق الإنسان، إن الديمقراطية هي خلاصة علمية لتجارب إنسانية شتى، وبالإمكان استيعابها وممارستها في أي مجتمع بشري إذا وجدت وأوجدت لها المؤسسات الضرورية والدساتير والقوانين المكملة لها التي تكفل وتؤطر مفاهيمها المجمع عليها، بما يحمي سياقها العام، ولا حاجة للدخول أو المرور بالضرورة لما مرت فيه الشعوب المتقدمة كأوروبا وغيرها من دول وشعوب العالم من مآس وحروب دموية، فليس هناك مجتمع أو شخص أو حاكم ديمقراطي بالضرورة ولكن هناك مؤسسات وقوانين ديمقراطية تحكم تصرفات الأفراد والحكام وتحد من انحرافهم بالسلطة والتعسف في استخدام الحق الشخصي والعام·
ونحن في الوطن العربي والشرق الأوسط، قادرون على استيعاب الديمقراطية وممارستها والحصول عليها، فقط كل ما نحتاجه ونريده هو بعض الإسناد من المجتمع الدولي والهيئات الدولية ذات العلاقة في حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني في الدول المتقدمة، أو على الأقل المساعدة في كف يد القوى الكبرى والمصالح الإمبريالية من إسناد الأنظمة الاستبدادية وإعادة جدولة تحالفاتها معها، وذلك حتى نتجنب الدخول في تجارب أوروبا هتلر وموسليني وسلوبودان ميلوسوفيتش·· إلخ·
إن الاستحقاق الديمقراطي والدستوري واحترام مبادئ حقوق الإنسان باتت ضرورة لا جدال ولا حوار حولها، وإن التلكؤ وإطالة الجدل حول ذلك سيؤدي الى تبرير اللجوء الى يد عمر الخارجي والتواطؤ معه لأن قوى القهر والاستبداد في المنطقة قد ضربت أطنابها وملكت ناصية الحل والعقد والربط والشنق!! وجيرت التكنولوجيا الحديثة لخدمة مصالحها وقهر الشعوب، وقوى التحرر والمجتمع المدني مهما بلغت قوتها لن تستطيع مجابهة الأنظمة وأجهزتها السرية والأمنية والعسكرية التي نمت وترعرت خلال احتكار الأنظمة الاستبدادية أو العصابات الحاكمة والرجعية لمقاليد الأمور والمال والدخل القومي لهذه الشعوب وجيرته لصالحها· |