رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15 صفر 1427هـ - 15 مارس 2006
العدد 1719

لم تعد الكويت كما كانت(1)
بسام بورسلي

لست من دعاة التشاؤم ولا أحب المتشائمين، أنظر دائما إلى المستقبل من ثقب صغير عميق بعمق هذا الكون الوسيع أؤمن بالمثالية كنهج لبناء مستقبل أفضل، والحلم ركن أساسي في تركيبتي النفسية وأنظر الى المصطفى صلى الله عليه وسلم على أنه أكثر الناس حلما، وإيماننا في المستقبل كبير ولا يمكننا تحقيق ما نصبو إليه دون أن يداعب الحلم خيالنا ويحفز حواسنا ويفجر طاقاتنا  ويبقى القوة الدافعة الدائمة للتطور وعند التفكير بالمستقبل لابد لك أن تحلم حتى تردم الهوة بينك وبين من سبقك وتقيّم واقعك وتقدر حجم تلك الهوة وتجيّش الطاقات والإمكانات لردمها، بناء على تقييمك هذا ومستأنسا بتجارب من سبقوك·

ولعلي أكون متشائما اليوم في تقييم واقعنا الحالي، حيث يفتقد الشباب الى القدوة بمفهومها الأخلاقي فتراهم لا مبالين بالشأن العام، وإن كان هناك اهتمام فإنه لا يتعدى البحث في الأحداث دون مسبباتها فاقدي الثقة في النظام السياسي وأحيانا كثيرة في رموزه وأركانه وعندما أطيل النظر في الشأن العام فإن ثلاثة محاور أساسية تحكم تفكيري وتوجهه في تحليلي وتعيدني إلى ما كتبه سكرتير الحزب الشيوعي السابق ميخائيل غورباتشوف عن آلية التحول في النظام السياسي والاقتصادي في الاتحاد السوفييتي آنذاك ولعل تلك المقارنة مثيرة للضحك على اعتبار أن دولة الكويت ليست بأي حال كالاتحاد السوفييتي ولكن أنظمة الحكم صغرت أم كبرت فإنها مطالبة بتحقيق رغبات شعوبها وآمالها وعند عجزها عن ذلك فإنها تواجه المصير نفسه وبالتالي فإن محاور غورباتشوف الثلاثة (الأمن الإقليمي - المشاركة الشعبية - الإصلاح الاقتصادي) لبناء نظام سياسي في الاتحاد السوفييتي تلامس ما يدور بذهني حول الإصلاح في النظام العام في الكويت ولا أقول تتطابق معه ولعل الديناميكية التي تميز مجتمعا صغيرا كالمجتمع الكويتي تجعل من عملية التغير أكثر سهولة ويسرا حيث إن النظام السياسي غير محمل بإرث من البطش والتسلط، أو مطالب باستحقاقات قانونية ترقى إلى مستوى استحقاقات الأنظمة الاستبدادية، وبالتالي فإن فرص التغيير والبناء أكبر من باقي الأنظمة السياسية سواء علي المستوى الإقليمي أو المستوى العالمي·

وتكمن قوة الدول والأمم في موقفها التفاوضي أمام باقي الدول، ولعل الكويت بما حباها الله العلي القدير من نعمة ونظام سياسي ارتضاه المحكوم والحاكم جعل من موقفها التفاوضي أقوى بكثير من دول أخرى تتمتع بالعمق الجغرافي والسكاني تفتقده الكويت بشدة، كل هذه المعطيات تدفع الكل للتساؤل: لماذا عانت الكويت طوال عقدي الثمانينات والتسعينات وشطر من بداية القرن الحالي من تراجع على جميع الأصعدة بالمقارنة مع باقي دول العالم استنادا الى دراسات مراكز الأبحاث العالمية والإقليمية أو من خلال تصنيفات الهيئات الدولية؟! نعود مرة أخرى الى ثلاثة غورباتشوف والتي تعداها الزمن ولكن لحسن حظ الكويت فإنه مازال للأمل فسحة ومازالت الملاءة المالية تلعب دورها في تطبيب الجراح وبلسمتها·

وبالنظر الى مبدأ المشاركة الشعبية فإن الكويت تفخر على الصعيد الإقليمي بالحرية النسبية الممنوحة للمواطن والمقيم على أرضها إلا أن تلك الحرية لم تساهم في أغلب المناسبات في ردع السلطة عن تنفيذ ما اعتزمت عليه مسبقا رغم معارضة نواب الشعب لمثل تلك النوايا ونرى بين الحين والآخر تلويحا بالعصا الغليظة عند الاقتراب من مناطق المحرمات، وبالتالي فإن الديمقراطية لا تعدو عن كونها ديمقراطية شفوية تكتسي بثوب الديمقراطيات العريقة من حيث أدواتها كالانتخابات أو البرلمان أو حرية الصحافة إلا أنها لا ترقى إلى مستوى مناقشة شؤون أكثر جدية مثل أسلوب إدارة استثمارات الدولة في الخارج، أو طريق صرف العوائد منها، أو الأسلوب المتبع في بناء هياكل الميزانيات، وبالتالي فإن المواطن يجد نفسه غير مضطر لبذل جهد إضافي في عمله لأنه ببساطة لا يعلم أين تذهب عوائد اجتهاده في نهاية المطاف وعليه فإن المشاركة الشعبية ليست صندوقا انتخابيا أو تُطال بالصراخ تحت قبة البرلمان، بل هي أداة فاعلة في رفع الإنتاج والكفاءة العامة لمؤسسات الدولة أي هي ملامستها لتفاصيل الحياة اليومية للفرد من خلال إحساسه بقيمة العمل الذي يؤديه يوميا أو الخدمات التي تقدم له وإلا فإنه غير ملزم أخلاقيا وليس شكليا للإخلاص في عمله·

ومن خلال هذه الجزئية يمكنك تصور حجم الفساد الناتج عن مثل هذا التساؤل من رشى أو تلاعب بالقوانين أو تسيب ولا مبالاة، بل تجاوز الأمر الحد المعقول عندما تجد ممثلي الشعب من أعضاء البرلمان أو رؤساء جماعات الضغط من نقابات أو جمعيات نفع عام جزءا من هذا الفساد فتجدهم يسعون في دهاليز المؤسسات الحكومية سعيا لاغتصاب حق العامة لصالح أحد ناخبيهم، وفي حين كانت تلك الممارسة سبة في حق النائب منذ 20 سنة مضت فإنها اليوم وسام فخر على صدره، بل تجرأ بعض المرشحين على وضع شعارات انتخابية تعزز هذا المفهوم وتأصله كممارسات مشروعة في الحياة السياسية العامة·

كما أن الديمقراطية ليست تحزبا لجماعة أو فئة دون أخرى بل هي تقبل تلك الجماعات والفئات كما هي والتعامل معها على أساس أنها جزء من مجتمع صغير يمكن للكل أن يكون به تكتلا يصارع غيره من التكتلات ويزيد المجتمع تشرذما وتفككا، وتقبل الآخر عندها يصبح أكثر صعوبة، حيث يتحول الولاء إلى هذه التكتلات والجماعات والذات الإنسانية تجنح الى تقبل الانتماء والتفرد به من حيث الدين أو اللون أو الفئة، ويعجب المراقب كيف لا تشتمل مناهجنا التعليمية بعد ما يقارب سبعة عقود من دخول سباق التعليم على ما يغرس مثل هذا المفهوم الديمقراطي بالانتماء إلى مجتمع واحد صغير يتميز بعمق ثقافي متنوع بتنوع خلفيات فئاته التي هاجرت إلى هذه الأرض من مجاورات جغرافية، ولعل مثل هذا التمازج هو أساس ديناميكية المجتمع الكويتي وقدرته على تحمل حوادث تتجاوز بالقطع قدرات أي مجتمع آخر بهذا الحجم·

إن الديمقراطية وصفة طبية ونظام حياة يوصف لأي مجتمع مريض يعاني من اعتلال صحته وثقل في حركته وتثاقل عن النهوض بمهامه ورغم أنها وصفة لها وقع السحر إلا أنها ليست الدواء الوحيد القادر على النهوض بالهمم وتوجيه الطاقات بل الأمر يتعداها في أحيان كثيرة إلى ما هو أبعد وأعمق من مجرد نظام حياة تحترم فيها ذاتك الإنسانية بل إن ذاتك بحاجة دائما الى هدف تسعى إليه يظل بعيد المنال يتطلب جهدا للوصول إليه، وواقعي يمكن تحقيقه في نهاية المطاف·

المصلحة العليا للكويت جملة تتداولها وسائل الإعلام وألسن المسؤولين بشكل مستمر ألفته الأذن وملّته العقول وامتطاها الكل لتحقيق مصالحه الخاصة تحت ستار المصلحة العامة وكأن هذه المصلحة قد تم تحديدها ورسمها بصوررة نمطية بعقول العامة والخاصة إلا أن الأحداث قد أثبتت بأن مثل هذه المصلحة غير واضحة المعالم والأبعاد لها تفسيرات مختلفة بين مؤسسة وأخرى أو بين شخص وآخر أو بين السلطة والشعب وتفاوت مثل هذا الفهم يحتم الحاجة إلى بناء رؤية استراتيجية لمستقبل الكويت·

إن انعدام الرؤية والاستراتيجية العامة للدولة جعل الجهود المخلصة لا تعدو كونها زوبعة في فنجان وإن النجاحات التي قد تشاهد هنا أو هناك إما هي إفراز لمرحلة سابقة من التخطيط المتقن في الخمسينات والستينات من القرن الماضي أو هي جهود فردية مخلصة من أحدهم قدرت له الظروف وحشدت له الطاقات حتى يتمكن من تحقيق مثل هذا النجاح الثانوي رغم أن الكويت لا تفتقر لمقومات النجاح ولم تشهد في تاريخها القريب أي عجز بالموارد المالية التي تمكنها في حال الحاجة من استجلاب أكبر العقول والخبرات من الخارج عندما تعجز الكوادر المحلية عن تنفيذ المطلوب إلا أن رسم هذه الاستراتيجية يحتاج وبشكل أساسي الى "الطلاق" الحريات حتى يتسنى للكل المساهمة في رسمها ولعل تراجع الممارسات الديمقراطية في العقدين الماضيين جعل رسم تلك الاستراتيجية إحدى المستحيلات ألا أن القدر قد أنعم علينا مرة أخرى بملاءمة الظروف العالمية والإقليمية مرة أخرى لمصلحة الكويت· وذلك استنادا الى عدد من المعطيات سوف نعرض لها في العدد المقبل·

..يتبع

�����
   

النفط للأجداد.. والغاز للأحفاد!:
سليمان صالح الفهد
صراع شركات.. لا حضارات!!:
سعاد المعجل
استثمر أموالك في الكويت:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
المصداقية...القيم:
المحامي نايف بدر العتيبي
قضايا المرأة
الدستور: هو الحل!!!!:
د. محمد عبدالله المطوع
حوار من بعيد(1):
فهد راشد المطيري
"طليعيون":
المحامي بسام عبدالرحمن العسعوسي
تهاني:
شروق الشمري
الخريطة السياسية في فلسطين:
عبدالله عيسى الموسوي
المطبوعات والدوائر للمرة المليون:
محمد جوهر حيات
لم تعد الكويت كما كانت(1):
بسام بورسلي
"ودي" أعرف الإجابة:
يوسف الكندري