Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962
العدد 1859

بلا حــــدود
ساعة الحقيقة!
سعاد المعجل
suad.m@taleea.com

عندما تتاح فرصة أمام المرء للاطلاع على الكتب الجادة التي نشرت عن أوضاع البلدان العربية، المشرقية منها أو المغربية، خلال السنوات الخمسين الماضية، والتي ظهرت في الغرب بأقلام باحثين مرموقين يتبين له كم من الوقت قد هدر وكم من الأرواح قد أزهقت وكم من الأموال قد بعثرت، كل ذلك على حساب التنمية والديمقراطية وحرية الإنسان، من الصحيح القول إن المجتمعات الإنسانية المختلفة، سواء في أوروبا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا، قد مرت بتجارب مريرة قبل أن تصل الى شواطئ الأمان وتستقر وتنظم حياتها على أسس متوافقة مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان ومستلزمات التنمية والتحضر لكن ما حدث وما زال يحدث في الكثير من البلدان العربية يمثل تحديا حضاريا للعرب أجمعين عليهم معالجته وانتشال أوضاعهم من حال البؤس والتعسف·

إن من المؤكد أن العالم المتحضر، وخصوصا الدول الكبرى، قد أهمل الأوضاع العربية لعقود طويلة وكذلك كان هناك إهمال متعمد من القوى الكبرى نتيجة لطبيعة التحالفات مع الأنظمة السائدة، وخصوصا في زمن الحرب الباردة··· وقد تكون تلك المعاملة قد أثقلت ضمير الكثير من المثقفين والمهتمين بحقوق الإنسان في الدول المتحضرة عندما يجدون حكوماتهم تتحالف مع أنظمة عربية متعسفة معادية للديمقراطية منتهكة لحقوق المرأة ولا تهتم بعدالة توزيع الثروة، لكن الأمر استمر طويلا دون أي اكتراث··· وربما كان إقرار الرئيس الأمريكي جورج بوش قبل أقل من عام بأن الحكومات المتعاقبة في الولايات المتحدة قد تجاهلت مبادئها في علاقاتها مع الأنظمة العربية لأكثر من ستين عاما، وربما كان ذلك أهم إقرار واعتراف من قبل رئيس أكبر قوة عالمية·

هل تغيرت الأمور الآن وهل نحن بصدد التغيير والتحول نحو الديمقراطية والعدالة والتنمية، ربما، ولكن ذلك يتطلب وعيا من قبل كل العناصر والقوى المؤمنة بالتغيير والإصلاح الديمقراطي··· قد تكون أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) التي مرت ذكراها الثالثة قبل أيام، قد تكون من أهم عوامل التحول في الفكر السياسي في الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد، حيث أحدثت صدمة سياسية وفكرية وحضارية مهمة لديهم، لقد أكدت تلك الأحداث الكارثية أن العرب يعيشون حالا من التراجع الثقافي والقيمي والبؤس الفكري نتيجة لعوامل الاستبداد وانسداد قنوات الحوار وفقدان إمكانات التفكير الحر الخلاق وآليات التغيير المشروعة··· وقد تبين لنا، وللدول الكبرى، أن الأنظمة السياسية في بلداننا في سبيل المحافظة على مواقعها في الحكم أهملت التعليم وسلمت مسؤولياته للقوى الدينية المتشددة ذات الفكر الظلامي والتي تمكنت من تكييف العقول بما يتوافق مع طروحاتها··· وقد دفع ذلك الكثير من مخرجات التعليم في البلدان العربية لتبني فلسفة العنف ضد الآخرين واعتبار العالم بأجمعه معاديا للعرب والمسلمين مما أدى الى تنامي القوى المتطرفة والمستعدة للقيام بأعمال معادية لكل من يعارض طروحاتها وكل الأجانب··· ولم تسلم الجاليات العربية والمسلمة من تأثيرات هذه الأفكار المتطرفة حيث تمكن المال العربي من دفع رجال الدين المتزمتين للسيطرة على المراكز الدينية في بلدان أوروبية وفي أمريكا الشمالية وعدد من الدول الآسيوية ودول أمريكا اللاتينية··· تمكن هؤلاء، أيضا من ربط القضايا العربية، مثل القضية الفلسطينية، بالفلسفة الدينية المتطرفة وتصوير الأمور على أن هناك عداء أزليا بين الآخرين والعرب والمسلمين لا يمكن تجاوزه دون استخدام العنف والإرهاب·

أحدثت مأساة 11 سبتمبر (أيلول) يقظة في فكر صانعي السياسية في الغرب، وهم إذ تصدوا للقوى الإرهابية والأنظمة المتسلطة بها كما حدث في أفغانستان ومن بعد ذلك في العراق فإنهم اقتنعوا بأهمية إنجاز عملية تغيير تاريخية في بلدان العرب··· لذلك فقد جاءت مبادرات الإصلاح السياسي والاقتصادي وإصلاح أنظمة التعليم من أجل تطوير المجتمعات العربية ودفعها لكي تصبح مجتمعات متوافقة مع روح العصر وتصبح بعيدة عن العنف والتعسف وقادرة على إنجاز مهمات التنمية من خلال آليات مشروعة· بطبيعة الحال الكل يعلم كيف كانت ردود فعل الحكومات والأنظمة على تلك المبادرات وكيف فسرت بأنها تمثل تدخلات في الشؤون الوطنية أو السيادية وطرحت مقولات مثل أن الإصلاح لا بد أن ينبع من الداخل ولا يفرض من الخارج·· لكن من أهم الظواهر التي اتضحت خلال الشهور الماضية وبعد أن طرحت تلك المبادرات، أو الاقتراحات، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ثم من قبل الدول الكبرى الثماني أن عددا كبيرا من المثقفين العرب اصطفوا مع الأنظمة ورددوا الطروحات السلبية نفسها حول مشاريع الإصلاح وكأنهم يعيشون في جنات من الحرية والديمقراطية··· إن تلك المواقف الملتبسة من المثقفين العرب، أو على الأقل عدد مهم منهم، تمثل أهم الإحباطات، لكن هل كان ذلك أمرا غريبا؟ لقد وقف عدد كبير من أولئك المثقفين للدفاع عن أعتى الأنظمة العربية استبدادا وهو نظام صدام حسين ودافعوا عنه وعن سياساته وصفقوا له عندما اضطهد العراقيين وعندما شن حربا على إيران وعندما احتل الكويت، هل هؤلاء المثقفون العرب يعبرون عن ضمير حي والتزام بالحرية والعدالة والديمقراطية؟

بيد أن التطورات الراهنة في العالم والذي يشهد إعادة ترتيب سياسيا واقتصاديا لن تجعل من هذه المعارضات الرسمية وغيرها ذات أهمية نظرا لأن القوى الأساسية في العالم ترى أن الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية وتحسين ظروف المعيشة هي من مستلزمات الأمن القومي لبلدانها··· إن تصدير العنف والإرهاب من البلدان العربية والإسلامية أصبح أمرا واقعا لا يمكن إنكاره ولن يتمكن أحد من وقفه بالإجراءات الأمنية فقط بل يتطلب التحولات السياسية والاقتصادية والتعليمية الضرورية من أجل بناء مجتمعات عصرية متحررة من التعصب والتطرف··· كذلك فإن الأنظمة السياسية ذاتها لا يمكن أن تستمر في إهمالها لمتطلبات التغيير حيث إن القوى المتطرفة لن تكون رحيمة معها وقد شهدت مصر والجزائر والسعودية أحداثا خلال العقدين الماضيين تؤكد أن الأمور ليست يسيرة وأن هناك تطرفا يدفع نحو استهداف أنظمة الحكم وزعزعتها··· وهكذا يتضح أن الجمود السياسي والاقتصادي لن ينفع المجتمعات والأنظمة ومن ثم هناك ضرورة لتعديل كل الأوضاع بما يساهم في تحريك الحياة وتطوير آليات العمل السياسي··· وإذا كان البطش والتعسف والاضطهاد قد وظف في الماضي فإن ذلك لم يعد ممكنا في سنوات القرن الحادي والعشرين··· وإذا كان هناك من يحاول وقف التحول نحو الديمقراطية في أكثر من موقع عربي مثل ما يجري الآن في العراق فإن المسيرة تؤكد أن كل أعمال العنف والإرهاب ستصل الى طريق مسدود حيث لا تمثل استراتيجية سياسية محدودة وواضحة وأن الشعوب العربية، بالرغم من درجة التخلف الثقافي المتوارثة لديها، سوف تتواصل مع المسيرة الإنسانية وسوف ترى النور في آخر النفق·

 

tameemi@taleea.com

�����