| في المقالة السابقة تم الحديث عن الأصوات التي تنادي بين فينة وأخرى بحل البرلمان حلاً غير دستوري وتعليق العمل ببعض مواد الدستور على غرار ما حدث في الماضي، وتم تبيان الأسباب التي تفيد بأن الحل غير الدستوري ليس حلاً. كما أن النتائج التي يمكن أن تتمخض عنها هذه المسألة لن تكون في مصلحة المجتمع والوطن، وستخلق حالة من الشد والجذب المجتمع في غنى عنها.
لكن بدأنا نسمع أخيراً دعوات لتعديل الدستور بدلاً من الحل غير الدستوري، كي يتم تلافي الممارسات الخاطئة الحالية في العمل البرلماني، التي عطلت مشاريع عديدة ودفعت نحو حالة من الاحتقان السياسي، ولكي يكون هناك توافق ما بين الحكومة والبرلمان لتعديل الدستور بدلاً من الطرق الأخرى التي قد تؤدي لنتائج غير مرغوب فيها. ولا شك في أن هذا الطرح يمثل تغييراً في موقف تلك الأطراف الرامي لتعطيل الحياة البرلمانية. فما هي دوافع هذا التغيير؟
لقد تزامن طرح تعديل الدستور مع حدث مهم، يعد تطوراً كبيراً في المسيرة الديمقراطية المحلية، ألا وهو صعود أول رئيس وزراء لمنصة الاستجواب وطرح عدم التعاون معه. فهذه القضية تعد سابقة تاريخية في البرلمان من حيث الممارسة وكذلك تطبيق الدستور. فقد كان استجواب رئيس مجلس الوزراء يعد من المحرمات في السياسة المحلية، على الرغم من عدم تعارضه مع بنود الدستور، وعلى ما يبدو بأن ذلك لم يرق للفئة المنادية بتعطيل الحياة النيابية.
ومن جانب آخر، فإن طرح الحل غير الدستوري علاوة على التبعات التي يمكن أن تحدث على مستوى المجتمع، سيخلق انقسامات أيضاً داخل فئات مهمة يمكن أن ينعكس على الأداء العام للمجتمع. وبذلك يأتي موضوع تعديل الدستور كحل وسط يمكن أن يحد من تلك الانقسامات، خصوصاً ان أي تعديل لنصوص الدستور لن يتم إلا من خلال البرلمان الجهة الممثلة للشعب الكويتي، وبهذه الطريقة سيتم التعديل من خلال القنوات الدستورية.
الأمر الغريب في الدعوات الرامية لتعديل الدستور أو تعطيله، أنها تصور وكأن المشكلة في الدستور نفسه. وليس في من يحاول التملص منه. فالسؤال المهم الذي يطرح على هؤلاء وغيرهم هو: متى تم تطبيق نصوص الدستور بشكل عملي خلال أكثر من أربعة عقود على العمل به؟ فأي حكم على عدم صلاحية شيء ما لابد وأن يأتي بعد اختباره والتأكد من أنه بحاجة إلى تطوير أو تعديل. لقد كان الالتفاف على نصوص الدستور سمة عمل معظم الحكومات المتعاقبة، وكذلك الغالبية الساحقة من النواب الذين ابتعدت ممارستهم عن تطبيق الدستور، اللهم إلا فئة قليلة جداً في تاريخ التجربة البرلمانية، التي أصبحت من النوادر في يومنا هذا. فالمناداة بتعديل الدستور تعد التفافاً جديداً على تفعيل تطبيق نصوص الدستور، حالها حال الممارسات السابقة للعديد من الأطراف البرلمانية والحكومية.
كما أن توقيت طرح تعديل الدستور يأتي بعد تطور في مواجهة عناصر التأزيم المسؤولة عن حالة الاحتقان السياسي خلال الفترة الأخيرة في البرلمانات المتعاقبة. فقد كانت المواجهات السابقة التي غالباً ما تنتهي بحل مجلس الأمة دافعاً قوياً للمؤزمين في تصفية حساباتهم، أياً كان هدفها مع بعض العناصر في الحكومة.
لكن ما حدث أخيراً يعد ضربة قوية لهذا النهج الذي اختطه هؤلاء ولربما نشهد تراجعاً كبيراً للحدة والاحتقان السياسي مستقبلاً، وبذلك يمكن أن تطوى صفحة التأزيم خلال البرلمان الحالي، مما يمهد لاستقرار الأوضاع والبدء في التنمية والإصلاح الحقيقي. يضاف إلى ذلك مسألة مهمة وهي تركيبة المجلس الحالي، فمن الواضح ومنذ ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية في مايو الماضي، أن الحكومة تملك أغلبية داخل البرلمان تؤهلها، إذا رغبت بلعب دور تشريعي وتنموي وإصلاحي فعال، ولعل ما جرى أخيراً من تصويت على طرح الثقة في سمو رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية خير دليل على ذلك. فلماذا إذاً يطرح موضوع تعديل بعض مواد الدستور مرة أخرى في ظل ظروف تخدم الحكومة وتدعم استمرارية البرلمان؟!
على ما يبدو، الهدف هو اشغال الساحة السياسية المحلية مرة أخرى بموضوع حساس يثير حفيظة الكثير من الفئات والقوى السياسية الشعبية والنواب، للدفع باستمرار نحو واقع التأزيم مرة أخرى وحدوث مواجهات من جديد ما بين الحكومة والمجلس حتى يبرر هؤلاء دعواتهم لتنقيح الدستور بسبب الأوضاع السياسية غير المستقرة.
إذا كان طرح تعديل الدستور أخيراً بالونة اختبار للساحة السياسية المحلية، فهو بلا شك تصرف ساذج وسيرتد على كل من يتبناه. فإذا كانت القوى السياسية في حالة انقسام وأحياناً تمر بمناوشات مع بعضها البعض، وما يسري على القوى السياسية يمتد لنواب مجلس الأمة، فإن تبني الموضوع بشكل رسمي من الحكومة سيؤدي إلى اتحاد تلك القوى من جديد وتشكيل جبهة موسعة وستحقق التفافاً شعبياً كبيراً لارتفاع مستوى الوعي لدى المواطنين بخطورة التطاول على الدستور وستحول دون المضي في ذلك بالتأكيد.
الساحة السياسية أمام فرصة جديدة يمكن استثمارها بشكل سليم لتحقيق الصالح العام للكويت، بدلاً من إضاعة الوقت بأطروحات عفا عليها الزمن، قد تستهلك الجهود والطاقات من دون نتائج، والتي لابد أن توجه في صالح التنمية والإصلاح.
|