Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 1-7 ذي القعدة 1419هـ - 17-23 فبراير 1999
العدد 1365

ضوء

لغز السيرة الشعبية

 

ركان الصفدي

"1"

 

هناك لغز لم يجب عنه الباحثون في السيرة الشعبية العربية حتى الآن وهو: لماذا كانت هذه السيرة شكلا أشبه بالأسطورة، في عصر اختفاء الأسطورة؟ فإذا كانت الأسطورة تفسيرا للوجود وفق نسق من أفكار تنبع من المخيلة أو العقل الباطن، فإن السيرة الشعبية العربية قامت بهذا الدور نفسه في كثير من الأحيان· بعبارة أخرى : لماذا لم يكتب العرب أسطورتهم إلا عبر السيرة الشعبية؟ الأساطير المتبقية من العصورالعربية القديمة تكاد لا تذكر، مهما حاول الباحثون مثل سليم الحوت ومصطفى الجوزو وفاروق خورشيد ودارسو الأدب الجاهلي مثل نصرت عبد الرحمن وأحمد النعيمي وسواهم جمعها، فقد اندثرت باندثار الحضارات الغابرة  ولم يتبق منها إلاّ لُقى هنا وهناك تظهر في بيت شعري أو تعبير لغوي·

السيرة الشعبية جمعت في أدغالها كل معطيات العقل الباطن العربي·

 

"2"

 

لم تظهر السيرة الشعبية فجأة، إذ كان الأدب كله في العصر الجاهلي يكاد يكون شعبيا، لأنه كان شفويا، ولأن موضوعاته مسّت الحياة الشعبية كما يرى د· طه حسين في حديث الأربعاء· وفي العصر الأموي كان القصاصون الذين يرافقون الجيوش للتسرية عن جماهير المقاتلين يمارسون دورا مهما في هذا المجال· وفي العصر  العباسي حين تعقدت الحياة الاجتماعية منحت الخيال الشعبي زادا وفيرا، ولا سيّما أن القصّ فن يحتاج إلى استقرار المجتمع، وإلى أوقات الفراغ، وما أكثرها في ذلك العصر· وكانت ألف ليلة وليلة خلاصة ما وصل إليه الخيال الشعبي بعد أن طاف هذا الخيال في كتب عديدة مثل : كليلة ودمنة، والحيوان، والبخلاء، والأغاني والمكافأة ونشوار المحاضرة·· الأدب الشعبي أصبح تعبيرا حقيقيا عن تمدّن المجتمع العربي·

 

"3"

 

في العصر الفاطمي هاجر بنو هلال إلى المغرب بأمر من الخليفة لإقامة التوازن بين العرب والبربر هناك، وكان لتلك الهجرة أثر كبير في نفوس الناس فنشأت "تغريبة بني هلال" ولعلها سبقت "سيرة بني هلال" في العصر المملوكي· حين خارت قوى الخلافة العباسية، وانكسرت أحلام الجماهير بالخلاص من الأخطار الطوفانية المتمثلة بالتتار والصليبيين، كان لابدّ من تعويض وتحريض·· فولدت السيرة الشعبية "عنترة" و"الظاهر بيبرس" و"ذات الهمة" و"حمزة البهلوان" و"سيف بن ذي يزن" ·· فالسيرة الشعبية إذا كانت تعبيرا عن فقدان الشعب القيادة المخلّصة، وتعويضا عن انكسار سيوف الأمة·· إنها حلم بالبطولة والتحرر·· إنها أحلام يقظة شعب كامل·

 

"4"

 

السيرة الشعبية منذ ألف ليلة وليلة وانتهاء بسيف بن ذي يزن إطلاق بلا حدود لمكبوتات المجتمع العربي والإنسان العربي الذي وقع بين فكّين: عدو خارجي لا يرحم وحاكم فاسد طاغية لا يرحم أيضا·· إنها الصورة النقيضة للواقع، فهناك الإباحية مقابل التزمت، هناك القوة الخارقة للأبطال وللجان إزاء الضعف والخور·· السيرة الشعبية كنز من الدلالات التي لا تحصى·

 

"5"

 

السيرة الشعبية شكل حكائي جديد، أخذ من أساليب الرواة العتاة أشياء كثيرة ولكنه أضاف إليها تقنيات أشبه بالتقنيات المسرحية، لأنها أعتمدت في الأساس على "الحكواتي"، الذي يلّون أحداثها ولغتها بتقنية التمثيل·· السيرة إذاً فن شفوي من حيث الوظيفة، وهي مرجع فنيّ لكتّاب المسرح والرواية العرب قلّما التفتوا إليه، باستثناء سعد الله ونوس في مسرحية "مغامرات رأس المملوك جابر" و"حفلة سمر من أجل 5 حزيران" وجمال الغيطاني في "الزيني بركات" وإميل حبيبي في "خطية" و"المتشائل" وغيرهم قليل··· أضافت السيرة الشعبية نمطا سرديا جديدا لم يستثمر بعد·

 

"6"

 

تظلّ الأسئلة: لماذا برز "الجنّ" برزوا طاغيا في السيرة الشعبية ، هل هو بديل من الآلهة في الأسطورة، أم هو معادل للضعف الإنساني؟!

لماذا كانت "السيرة الشعبية تأريخا لمرحلة ضعف الشعب العربي؟

لماذا لا نجمع حكاياتنا الشعبية في كل مكان من الوطن العربي، فمن يدري ، فقد يأتي يوم تظهر فيه سيرة شعبية عربية ·· جديدة؟!

طباعة  

أفق
 
قصائد
 
قراءة في "نساء على أجنحة الحلم"
فاطمة المرنيسي تقدم مفهوماً جديداً لتحرر المرأة

 
إصدارات
 
في تحقيق حول القيود الرقابية على الكتاب في الكويت
"الرقابة" تقتل الإبداع وترهب المجتمع وتشوّه الفرد

 
وخزة
 
أجراس
 
نافذة